2013/12/19
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أسأل الله لكم سيّدي الصحة والعافية وأنْ يفيض عليكم من رزقه في الدنيا والآخرة
سيّدي الحبيب:
هل هناك خطوات نسير عليها لدعوة المسلمين إلى العمل الروحي الإسلامي؟
فما أفعله هو اجتهاد من عندي حسب الموقف والمكان والشخص، قد يصيب أحيانا وقد أخطأ مرّات كثيرة بمعنى لا تأتي النتيجة المرجوة.
شكرا لكم سيّدي حفظكم الله
ابنكم ليث الآلوسي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك جزيل الشكر على دعواتك الطيبة ومشاعرك الصادقة، وأسأله عزّ وجلّ أنْ يوفقنا لخدمة هذا الدين والناس أجمعين برحمته إنّه سبحانه أرحم الراحمين.
قال الله جلّ وعلا:-
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 110].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لسيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله جلّ جلاله عنه يوم فتح خيبر:-
(— فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) متفق عليه.
الدعوة إلى الله عزّ وجلّ من خلال العمل الروحي الإسلامي أعظم وأشرف مقامات الدين، كونه قوام الشّرع الشريف لدخوله في أصوله وفروعه، ودوره في إصلاح النفوس وتزكية القلوب، لذلك كان هذا مِنْ أحد عناصر العهد ما بين الشيخ المرشد والسالك المسترشد، إذ لا يمكن أنْ يوجد إيمان كامل أو دِين شامل إلاّ بالدّعوة إلى الله جلّ وعلا، قال سبحانه:-
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [سورة فصلت: 33].
ولكن ينبغي أنْ تتوفر في الداعية الصفات التي تكون سببا بإذن الله جلّ جلاله وعمّ نواله في قبول كثير من الناس لدعوته، منها:-
1- التزوّد بالثقافة الروحية وفهم منهج العمل الروحي الإسلامي، بالقدر الكافي لإيصاله للمدعو بشكل صحيح، إذ لا يمكن أنْ تتم الدعوة إلاّ بعلم الداعية بما يدعو إليه، قال جلّ وعلا حكاية عن حال الدعاة:-
{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 108].
ولمزيد ممّا يتعلق بهذه الثقافة أرجو مراجعة باب السلوك والذكر والتزكية في هذا الموقع المبارك.
2- إخلاص النيّة لله عزّ شأنه فهو سبحانه الموفّق والهادي إلى سواء السبيل، قال جلّ جلاله حكاية عن سيّدنا شعيب عليه السلام:-
{— إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 88].
وأرجو مراجعة المشاركة المرقمة (239) في هذا الموقع الكريم.
3- أنْ تُظهرَ أثر هذا المنهج المبارك في أقوالك وأفعالك بين الناس لتكون القدوة الحسنة لهم، لِما فيه من وقع عظيم على نفوس المدعوِّين إذ أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، فالسيرة الحميدة وحسن التطبيق يؤثران في الناس أكثر من الاكتفاء بالأقوال.
4- اختيار مَنْ تتوسّم فيهم الخير، وكذا الزمان والمكان المناسبين، ودعوتهم بالأسوب الأمثل، قال الله عزّ وجلّ:-
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].
ولاسيّما بعد توطيد العلاقة فيما بينك وبينهم، وتعريفهم بهذا المنهج المبارك بما يتلائم مع واقعهم الثقافي، ومحاولة اصطحابهم إلى مجالس الختم الشريف أو دروس الوعظ أو خطب الجمعة التي يقيمها أحبابنا في مساجدهم.
وأرجو مراجعة المشاركة المرقمة (240) في هذا الموقع المبارك.
5- ضرورة العلم بأنّ العمل الروحي الإسلامي سبيل يوصل إلى التفاعل مع حقائق الشرع الشريف وأحكامه بشكل ذوقيّ، قال الرسول الأعظم والنبيّ المكرّم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
فالتزكية تؤدي إلى انفتاح قوى الروح فتبدأ تتحسس ما وراء الطبيعة من عوالم غيبية أمرنا أنْ نؤمن بها كعالم الملائكة مثلا، وخير ما يجسّد هذه الحقيقة ما روي عن سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه إذ قال:-
(إنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: حَارِثَةُ فِي بَعْضِ سِكَكِ المَدِيْنَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا، قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ إِيمَانٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ قَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، فَأَظْمَأْتُ نَهَارِي وَأَسْهَرْتُ لَيْلِي، وَكَأَنِّي بِعَرْشِ رَبِّي بَادِيًا، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ، وَأَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلَّم: أَصَبْتَ فَالْزَمْ، مُؤْمِنٌ نَوَّرَ اللَّهُ قلبه) الإمام البزار رحمه العزيز الغفار سبحانه.
إنّ هذه الحقائق الإيمانية الراقية توجب على الإنسان بشكل عام، والمسلم بشكل خاصّ، العناية والاهتمام بعلم التزكية والتربية الروحية.
6- الدعاء له بالهداية والصلاح بظهر الغيب، وتفويض الأمر إلى الله جلّ جلاله وعمّ نواله القائل:-
{إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة القصص: 56].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد المرسلين، وخير الداعين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.