2015/07/14

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في أول يوم من رمضان المبارك ذهبت لأداء صلاة التراويح وقد جرت العادة أنْ نذكر الله تعالى جهرا بين كلّ أربع ركعات وإذا بنا فوجئنا بأنّ شخصا من حملة الشهادة الأكاديمية في العلوم الشرعية يعتبر كلّ هذه الأذكار بدعة ويشنع على مَنْ يفعلها وأنها مخالفة للسنّة وجاء بأدلة يدّعي بأنّها من كتب السادة الحنفية حسب ما يدعي وأنّ العشرين ركعة بدعة كذلك حسب فهمه الخاطئ لها وكنت قادرا على الرد عليه بأحاديث صحيحة ولكني خشيت الفتنة في المسجد فهناك مؤيدون له عن جهل ولا أريد الإطالة لكن نرجو من جنابكم تنويرنا بأدلة من كتب المذاهب عن الذكر وجزاكم الله خيرا وحفظكم ذخرا للأمة الإسلامية.

خادمكم لبيد البياتي.

الاسم: لبيد البياتي

الرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

بخصوص صلاة التراويح وعدد ركعاتها وأدلتها فأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (570، 1567) والمشاركة المرقمة (171) في هذا الموقع المبارك.

وأمّا ما يخص الأذكار بين التراويح، فالله عزّ وجلّ أمرنا أنْ نذكره ونسبحه في الليل والنهار قال جلّ شأنه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب / 41 – 42].

فأصل الذكر والتسبيح مأمور به في كتاب الله جلّ في علاه وفي سنّة رسوله ومصطفاه صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، أمّا الوقت فمتروك للشخص، وليس عدم فعل النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في هذا الوقت بالذات يدلّ على حرمته لأنّ المنهي عنه يحتاج إلى دليل ولا دليل على النهي، بل الأصل الأمر بالذكر والتسبيح، سواء بين التراويح أو غيرها من الأوقات.

ونقل أئمة العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ أهل مكة كانوا يطوفون بين كلّ ترويحتين طوافا ويصلون ركعتين ولا يطوفون بعد الترويحة الخامسة، فلمّا رأى أهل المدينة ذلك أرادوا أنْ يتنافسوا مع أهل مكة فكانوا يصلون ركعتين بدلّ كلّ طواف، فتكون صلاة التراويح عندهم ستا وثلاثين ركعة كما نقل ذلك الإمام مالك إمام دارة الهجرة رضي الله تعالى عنه حيث قال:-

(التراويح تسع ترويحات وهي ستة وثلاثون ركعة غير الوتر).

قال الاِمام الشافعي رحمه المتعالي جلّ وعلا:-

(فأمّا غير أهل المدينة فلا يجوز أنْ يماروا أهل مكة ولا ينافسوهم).

ولم ينكر أحد فعل أهل مكة ولا فعل أهل المدينة مع أنّ هذا لم يفعله النبيّ صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وآله وصحابته، بل أقرّه أئمة أهل الفقه والحديث وعملوا به رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين.

وأمثال ذلك كثير، فقد نقل عن الإمام البخاري رحمه الباري جلّ شأنه أنّه ما كتب حديثا في صحيحه إلا صلّى ركعتين شكراً لله سبحانه، وهو فعل لم يقم به النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.

وذكر الإمام الذهبي رحمه الله سبحانه في ترجمته لسيّدنا المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه فقال:-

(وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ طَافَ لكلِّ يَوْمٍ غَابَ عَنْهَا سَبْعاً، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) سير أعلام النبلاء (4/ 414).

وخلاصة القول أنّ كلّ فعل له أصل في الدين ولا يوجد نصٌّ يعارضه فلا مانع من العمل به وإنْ لم يفعله النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، لأنّ ذلك يعدّ تعطيلاً للدين، فالقرآن الكريم والسنّة المطهّرة شرعتا لنا الأحكام فنحن نعمل بالمأمور به وننتهي عمّا نهينا عنه، ونأتي بسائر الأعمال الصالحة التي تصبّ في الدين ولها أصلّ في كتاب الله جلّ جلاله أو سنّة رسوله الأكرم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم قال عزّ شأنه:-

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ —} [سورة التوبة الآية: 105].

على أن لا نعتبر ذلك مُلزِما يُعاقَب أو يُعاتَب تاركه، ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (490، 1148، 1985، 2013) في هذا الموقع المبارك.

فهذه الأذكار المباركة بين الترويحات دليل على فقه المنتمين إلى هذه الأمّة المرحومة إذ استحسنوها، وقد ثبت عن سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قوله:-

(— فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد.

وقد روي هذا مرفوعا إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذ قال:-

(مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ) الإمام مالك رحمه الله المالِك جلّ جلاله.

فهذه من الأوجه الحضارية لهذا الدين العظيم، تركها النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أهل الصدق واليقين، للعلماء والفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ليستنبطوا ما يضبط صلاة المسلمين ويثبتهم على الصراط المستقيم.

كما أنّ فيها منافع عدّة منها:-

1- إرشاد للإمام والمصلين إلى عدد الركعات التي وصلوا إليها فيتجنبوا الخطأ.

2- معرفة المسبوق أين وصلوا في الصلاة، وهل هذه الصلاة تراويح أم وتر.

3- فيها صلاة على النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عند كلّ ركعتين، وفضلها في هذه الأجواء الإيمانية وغيرها لا يخفى.

4- فيها غرس لعقيدة أهل الخير والبركة في نفوس الجيل وإعلامهم بأنّ لهم خلفاء راشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهم في فضلهم وتحمّلهم لأمانة قيادة الأمّة على الترتيب والتسلسل الذي يسمعونه في صلاة التراويح، وهذه فيها من المنافع ما فيها، فالمحبّ يزداد حبا، والمبغض لعلّه يهتدي ويعلم أنّنا نترضى عن أهل البيت الأطهار والصحابة الأبرار ولا نفرّق بينهم، ورضي الله سبحانه عن الإمام الشيباني إذ قال في قصيدته المشهورة في علم العقائد:-

فَحُبُّ جَمِيعِ الآلِ وَالصَّحْبِ مَذْهَبِي *** غَدا بِهِم أرْجُو النَّعِيمَ المُؤَبَّدَا

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

والله تبارك اسمه أعلم.