27/04/2019

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي الحبيب حفظكم الله تعالى ورعاكم سيّدي ما هو القرين؟ وهل هو الذي يسبّب للإنسان الوسواس والأمراض النفسية والحزن والكآبة ويزيد نشاطه بالسحر والعين؟ وكيف يمكن للإنسان أنْ يتغلّب عليه ويتحصن منه؟ وجزاكم الله خيرًا

 

الاسم: سعد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيك على دعائك الطيّب وأسأله سبحانه أنْ يكتب لنا جميعا الحفظ والأمان من وساوس شياطين الإنس والجان برحمته إنّه هو الرحيم الرحمن.

القرين هو الشيطان الموكَّل بكلّ إنسان، وقد جاء ذكر ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ وفي السنّة المطهّرة، قال الله جلّ وعلا:-

{قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} [سورة ق: 27-29].

ولقد ذكر الإمام ابن كثير رحمه السميع البصير تقدّس اسمه في تفسيره عن قوله تعالى {قَالَ قَرِيْنُهُ} ما نصّه:-

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ الشَّيْطَانُ الّذِي وُكِّلَ بِهِ)

وقوله تقدّست أسماءه:-

{وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} [سورة الزخرف: 36-38].

وعَنْ سيّدنا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله تعالى عنه، قَالَ:-

(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَإِيَّايَ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ شأنه.

وفي رواية قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(— وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ —) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.

وعن أمّنا السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها:-

(أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً. قَالَتْ فَغِرْتُ عَلَيْهِ. فَجَاءَ فَرَأَىَ مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ فَقُلْتُ: وَمَا لِي لاَ يَغَارُ مِثْلِي عَلَىَ مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟! قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَمَعَ كُلّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: وَمَعَكَ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ: نَعَمْ. وَلَكِنْ رَبّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتّىَ أَسْلَمَ) الإمام مسلم رحمه الكريم المنعم سبحانه.

فإنَّ القرين ابتلاء من الله تعالى لعباده، ويدل لذلك قوله تجلى في علاه:-

{وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ} [سورة فصلت: 25].

والمقصود بالقرين شيطان يقترن بابن آدم، ويسعى جاهداً ليضله عن سواء السبيل، فعلى المسلم مدافعة هذا الشيطان، وهذا هو المطلوب منه شرعاً، وهو أمر مقدور عليه، وهذا القرين تارة يوسوس بالشرّ، ولذا جاء الأمر بالاستعادة من شر وسوسته كما في قول الله عزّ وجلّ:-

{مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [سورة الناس:3-6].

وتارة ينسيه الخير، كما في قوله عزّ من قائل:-

{— فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 42].

وتارة يعدُه ويُمَنِّيه، قال تعالى:-

{يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً} [سورة النساء: 120].

وتارة يقذف في قلبه وسوسة مرعبة مخيفة، قال سبحانه:-

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 175].

فكيده محصور فيما ذكر أعلاه، فاستعن بالله جلّ وعلا على مدافعته، والانتصار عليه، والتحصين من شرّه بمجاهدته فيما يورده من الشبهات والشهوات، فعلاقة الإنسان مع الشيطان علاقة صراع وتحدٍّ من قديم الزمان، وقد بدأت عندما دُعي الشيطان للسجود لأبينا آدم عليه السلام فأبى واستكبر كما حكى القرآن الكريم ذلك، وكما هو معلوم فقد توعّد الشيطان بني آدم وأقسم بعزة الله عزّ وجلّ ليغوينهم كما أخبر الله جلّ وعلا في قوله:-

{قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [سورة ص:82ـ 83].

وهو مستمر في إغوائه لبني آدم إلى يوم القيامة، لكن ليس له سلطان على المؤمنين المتقين، قال سبحانه:-

{إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [سورة النحل: 99، 100].

ورغم ما أوتي الشيطان من سبل الإغواء فإنَّ كيده ضعيف، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [سورة النساء: 76].

والمسلم إذا التزم بمنهج الله عزّ شأنه حقاً ابتعد عنه الشيطان، ولهذا نجد أنَّ سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وأصحابه يخاطب سيدّنا عمر رضي الله تعالى عنه قائلا:-

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ) متفق عليه.

وما ذلك إلاّ لقوة سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه في الحق وصدقه في اتباع المنهج الرباني، والواجب على المسلم الحذر من الشيطان كما أمر سبحانه:-

{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [سورة فاطر: 6].

وقال جلّ جلاله:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ—} [سورة النور:21].

ومن هنا فاعتصام المسلم بطاعة الله جلّ في علاه ورسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ومَنْ والاه، هو سبيل النجاة من الوقوع في الزيغ والضلال، ومن سبل الشيطان.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (606، 791، 971) في هذا الموقع المبارك.

والله جلّت قدرته أحكم وأعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على نبيّنا محمد وآله وصحبه أجمعين.