2020-04-22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي فضيلة الشيخ المربي حفظكم الله وأيّدكم وجزاكم عن المسلمين خيرا.
في يوم من الأيام قبل عدّة سنين ومن خلال برامج المحادثة الكتابية حصلت محادث بيني وبين امرأة متزوجة وكانت تشكو من تعامل زوجها معها كان يضربها ويهينها كثيرا ويسبّها ويقسو عليها كثيرا ويمنعها من زيارة أهلها غالبا…. ومن خلال حديثها تبيّن أنّ زوجها أكثر الأحيان لا يصلي ويتركها لفترات طويلة ويكفر كثيرا بالله عزّ وجلّ ولا يوقر والديه رغم أنها كانت تخدمه وتعامله بأعلى قدر من الطاعة والانقياد وملتزمة جدا بالصلاة والصيام… ومن عائلة محافظة..
وأنا كنت أنصحها على الصبر عليه والمجاهدة في التعامل معه بالحسنى حتى يهديه الله إليها وكانت كلما تسلك طريقا لترضيه وتكسبه كان يؤذيها أكثر وأيضا كانت عنده مشكلة ولم يكن لهم أولاد وربما هذا سبب رئيسي في سوء نفسيته وكان يجبرها أن تقوم بعمليات للتلقيح الاصطناعي وتعاني صحيا من ذلك ومن دون جدوى… إلى أن وصل الحال في أحد الأيام وضاقت به ذرعا فسألتها لمَ لَمْ تطلب الطلاق إذا كان هذا وضعها ولا فائدة من كل ما تقدمه… فأجابت إنه حصل الكثير من المشاكل مع أهلها وإنها يتيمة ولا تريد مشاكل أخرى ولا أحد يؤيدها على الطلاق رغم ما تعانيه. فلكل منهم حياته.. فصار في قلبي شيء وقلت لها أنا أقف معك في ذلك إن لم يكن لك أحد… ورغم أن هذا ربما يكون خطأ مني لكنني في ذلك الموقف رق قلبي لأنّها امرأة صالحة وقد بليت بإنسان لا يقدرها ويهينها دوما…
وكان القصد من الوقوف معها هو أن أتزوجها بعد طلاقها منه وانقضاء العدة حتى لا تكون مكسورة وضعيفة في بيت أهلها….
وأحيانا نتوقف عن المراسلة والتواصل لعلمنا أن هذا التواصل محرّم وأنّ وعدي لها لا يجوز أصلا وقد أكون سببا في التفريق ولكن ما الحيلة والمسكينة قد ضاقت ذرعا ولا أحد يساندها ولا حولا ولا قوة إلا بالله العلي العظيم…
وبعد مدّة لا نصبر ونرجع للتواصل وأراها قد انهارت وتعبت كثيرا… وأحيانا تذكر لي كيف يعذبها ويحبسها بعد إلحاحي عليها بالسؤال عن حالها ولا تقول لي كل ما يجري لها..
نحن في حيرة من الامر
وأكثر من مرة نسلّم أمرنا لله عزّ وجلّ ونمتنع عن التواصل ولكن بعد فترة نعود وأراها قد انهارت قواها وأيست أكثر ولله عزّ وجلّ المشتكى.
أرشدنا يا سيدي حفظكم الله تعالى ما نصنع؟ وهل يجوز لي أنْ أعدها بالزواج لأنها تخاف الضياع بعد الطلاق؟ علما أنها طلبت الطلاق كثيرا وكان يرفض ويؤذيها ويهددها بأنواع التهديدات وأعتذر للإطالة ولو تفضلتم بعدم نشر الرسالة في الموقع أو ما تروه مناسبا.
الاسم: الفقير لعفو المولى
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع الكريم، وبعد:-
فإنّي أهيب بجنابك وبجميع المسلمين أنْ يعودوا إلى العلماء العاملين رضي الله تعالى عنهم وعنكم في أمورهم كافّة كما فعل جنابكم بالعودة إلى هذا الموقع المبارك، وأنْ يتمّ هذا الرجوع في بدايات الأمور، ولا يتأخروا عن ذلك، لأنّ السؤال وطلب الاستشارة مبكّرا يمنع خطرا كثيرا في الدين والحياة.
لقد حرّم الإسلام على المسلم أنْ يكون على علاقة عاطفية بامرأة أجنبية عنه؛ قال جلّ جلاله:
{— وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ —} [سورة المائدة: 5].
وفي حق النِّساء قال تبارك اسمه:-
{— وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ —} [سورة النساء: 25].
والخِدْن معناه الخليل والصديق، ولا شكّ أنّ هذا الفعل من أعظم الذرائع الداعية للفساد، ثمّ إنّ التواصل مع المرأة الأجنبية بالرسائل والاتصال الهاتفي وتبادل عبارات الحبّ لا يجوز، ويعظم الأمر إذا كانت ذات زوج؛ ففي هذه الحالة يكون تواصلك وإظهار حبّك أو تعاطفك معها تخبيبًا لها على زوجها، كذا فإنّ اتفاق رجل مع امرأة ذات زوج على الزواج منها بعد طلاقها من زوجها، يكون تخبيبًا أيضًا، والتخبيب من الذنوب العظيمة، وهو من فعل السحرة، ومن أعظم أفعال الشياطين، كما في الحديث الشريف:-
(إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ. قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.
يلتزمه: يعانقه فرحاً بفعلته.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود سبحانه.
وهو من الغدر وعدم الحفظ لأعراض المسلمين، وشأن المسلم حفظُ أعراض إخوانه المسلمين لا هتكُها؛ وأنْ يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، ولذلك كان الجزاء الفضيحة على رؤوس الخلائق يوم القيامة؛ قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ أسْتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.
قوله (عِنْدَ أسْتِهِ) أي خلف ظهره لأنّ لواء العزّة ينصب تلقاء الوجه فناسب أنْ يكون عَلَمُ المَذَلّة فيما هو كالمقابل له، فكأنّه عومل بنقيض قصده لأنّ عادة اللواء أنْ يكون على الرأس فنصب عند السفل زيادة في فضيحته.
والإسلامُ صانَ العَلَاقات بين الأفراد، وحدَّها بحُدُودٍ تلائم النفسَ البشرية؛ فَحَرَّمَ العَلَاقَةَ بين الرجال والنساء، إلا في ظلِّ زواجٍ شرعيٍّ، فلا يصح أن يُخاطِبَ الرجلُ المرأة، ولا المرأةُ الرجل إلا لحاجة، وإنْ كانت ثَمَّ حاجةٌ داعيةٌ إلى الخطاب بينهما فليكن ذلك في حدود الشرع الشريف.
وفي هذا الباب أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (319، 1890) في هذا الموقع المبارك.
وإذا كانت هذه المرأة متضررة بالبقاء مع زوجها فلها الحق في طلب الطلاق لأجل الضرر، وكذا إنْ كرهت زوجها وخشيت أنْ يدفعها ذلك إلى التفريط في شيء من حقّه فلها الحقّ في مخالعته مقابل عوض تدفعه إليه.
وعلى كلّ حال فإنّي لا أنصح هذه المرأة بالتعجّل إلى شيء من الخلع أو طلب الطلاق، وينبغي أن تتذكر أنّ الحياة الزوجية قد تقوم على غير الحبّ، فهنالك كثير من المصالح التي يمكن تحقيقها من الزواج، ثمّ إنّ الحبّ يمكن تحصيله بحسن العشرة والتودّد وحسن التبعّل والصبر وتقوى الله تعالى القائل في محكم كتابه العزيز:-
{— وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [سورة الطلاق: 2].
فكم من زوج عاص تاب الله جلّ وعلا عليه فعاد تقيّاً صالحاً، وما ذاك إلا بدعاء وصبر زوجته الصالحة المُحتسبة، ولتعلم أنّ الله سبحانه لن يضيّع مَنْ توكّل عليه، قال جل في علاه:
{— وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [سورة الطلاق: 3].
فَتُبْ إلى الله تعالى توبةً صادقةً نصوحًا، واعزمْ على عدم العَوْدِ، واكثِرْ من الدعاء والاستغفار؛ قال الله جلّ ذكره:-
{— وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور: 31].
وقال:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ —} [سورة التحريم: 7].
وَسُدَّ على نفسِك أبواب الشيطان بالبُعد عن كلّ ما مِن شأنه أنْ يقرِّبك من تلك المرأة؛ قال الله تبارك في علاه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ —} [سورة النور: 21].
واخشَ على نفسِك أنْ تُجازَى بجنسِ صنيعك إنْ لم تتبْ إلى الله سبحانه، فعادةُ الله تعالى في خلقِه أنّ الجزاء من جنسِ العمل، والحذرَ الحذرَ أنْ تَرَى ما تكرهُ في زوجتِك ومحارمك، ومن هنا فإنّي أدعوك مرّة أخرى إلى التوبة النصوح وقطع أي علاقة مع تلك المرأة أو مع غيرها.
واللهَ سبحانه أسأل أنْ يحفظ أُسر المسلمين، وأنْ يهدي الأزواج إلى هدايات الشرع الشريف في العفّة والتقوى، إنّه جلّ وعلا سميع مجيب.
والله عزّ وجلّ أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.