2020-12-22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جزاكم الله تعالى خيرا ووفقكم لما تقدمون من إرشاد وتوجيه وهدايات ربانية في هذا الموقع المبارك زاده الله تعالى تألقا ونفعا لعموم المسلمين آمين..
سيدي الفاضل من الظواهر الموجودة في المجتمع الآن هي أن بعض أصحاب الدكاكين من أسواق ومطاعم وبسطيّات لما يوقف أحد سيارته أمام أماكن عملهم عند جانب الشارع يطالبونه بإبعاد سيارته عن المكان بحجة أنّه يقطع رزقهم وفي بعض الأحيان ينشب شجار ونزاع قد يفضي إلى التضارب. أعاذنا الله تعالى والمسلمين من هذا.. سؤالنا هو هل لصاحب الدكان أو البسطيّة حق في هذا المنع؟ وهل يعد مَنْ يوقف سيارته أمامهم متسببا في قطع الرزق؟ بارك الله تعالى فيكم ونفعنا والمسلمين بكم
 
من: أبو مصطفى/ كركوك
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقكم المبارك بهذا الموقع الطيّب، وعلى دعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفّقك لكلّ خير، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه مجيب قريب، وبعد:-
فإنّ الإسلام دِّين يدعو إلى الترتيب والتنظيم في كل شيء، وينهى عن الإفساد والفوضى في الكون كله، قال عزّ من قائل:-
{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سورة سبأ: 18].
(يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ النعمة والغبطة وَالْعَيْشِ الْهَنِيِّ الرَّغِيدِ، وَالْبِلَادِ الرَّخِيَّةِ، وَالْأَمَاكِنِ الْآمِنَةِ، وَالْقُرَى الْمُتَوَاصِلَةِ الْمُتَقَارِبَةِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ مَعَ كَثْرَةِ أَشْجَارِهَا وَزُرُوعِهَا وَثِمَارِهَا بِحَيْثُ إِنَّ مُسَافِرَهُمْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَمْلِ زَادٍ وَلَا مَاءٍ، بَلْ حَيْثُ نَزَلَ وَجَدَ مَاءً وَثَمَرًا، وَيَقِيلُ فِي قَرْيَةٍ وَيَبِيتُ فِي أُخْرَى بِمِقْدَارِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي سَيْرِهِمْ) تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله العلي الكبير جلّ وعلا (6/449).
وقال جلّ جلاله:-
{وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [سورة البقرة: 205].
وقال تباركت أسماؤه:-
{وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا —} [سورة الأعراف: 56].
وفي السُنّة المطهرة قول النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-
(لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ، فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ شأنه.
وقوله المبارك:-
(بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقوله الكريم:-
(— وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.
ولقد عدَّ الإسلام قاطع الطريق محاربًا لأنّه يؤذي النّاس وينشر الخوف بينهم، وجعل لذلك عقابًا أليمًا، قال تعالى:-
{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة المائدة: 33].
من هذه النصوص المباركة نفهم بأنّ حضارة الإسلام قائمة على تيسير السبل والطرق والمسارات، ولقد حوت المراجع الإسلامية المباركة نصوصًا أصّلت لفتح الطرق وبيان مدى عرضها على النحو الذي يرفع الحرج والضيق عن مستخدميه، وتكلّم الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم عن حقّ المرور والمسير، بل وضع الإسلام للدواب -أجلّكم الله تعالى- حقوقا في المسير، واعتنى بتلك الطرق، وما قول سيّدنا عمر رضي الله تعالى عنه وعنكم بغريب إذ قال:-
(وَلَوْ هَلَكَ حَمَلٌ مِنْ وَلَدِ الضَّأْنِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، ضَائِعًا؛ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ) الإمام ابن ابي شيبة رحمة الله جلت قدرته.
وينبغي التنبيه أنّ الكلام في هذا الموضوع ليس من باب الأنانية التي تدعو صاحب المحل لعدم السماح لأحد بأنْ يركن سيّارته أمام محله، ولكن على نحو عام ينبغي أنْ تتربّى الأمّة على هدايات المحبّة والتعاون والنظام وتيسير عجلة الحضارة لتترقى وتتقدم بسلاسة.
ونحن جميعًا بحاجة إلى تنظيم حياتنا في كلّ جوانبها، حتى نضمن حاجاتنا المختلفة والكثيرة، وتسوية الطريق تشمل ايقاف السيّارات بحيث لا تعرقل السير أو تعود بالضرر على أحد سواء كان صاحب محلّ، أو من السابلة، أو السيّارات الأخرى.
ولوقوف السيّارات وحركتها في الشارع آداب معروفة، وتتجلّى هنا قاعدة نبوية شريفة، أصلها قول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
إن الشريعة الإسلامية الغرّاء نهت عن الضرّ، فلا يحلّ لمسلم أنْ يضرّ أخاه المسلم بقول أو فعل، وهذا عام في كلّ حال على كلّ أحد، خصوصًا مَنْ له حق متأكّد، فليس له أنْ يضرّ بجاره مثلا، ولا أنْ يُحْدِثَ بملكه ما يضرّه، وكذلك لا يحلّ أنْ يجعل في طرق المسلمين وأسواقهم ما يضرّ بهم من أخشاب، وأحجار، أو حفر، أو نحو ذلك.
ولمزيد اطلاع حول تطبيقات هذا الحديث الشريف أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (473، 1894، 2644) في هذا الموقع الكريم.
وعلى وفق هدايات النصوص المتقدمة وغيرها وهي كثيرة، شرَّع المعنيون بالمرور قوانين تنظم حركة ووقوف السيارات، ورتبوا على المخالفات عقوبات متنوعة بحسب ضرر تلك المخالفات على المخالف نفسه، وعلى غيره من الناس، والممتلكات الخاصة والعامة.
ونحن هنا بصدد الالتزام بالنهج العام لديننا الحنيف الداعي إلى التنظيم والترتيب وعدم الفوضى والإفساد ورفع الضرر بغض النظر إذا كان قانون المرور يسمح بوقوف السيّارات أمام المحلات التجارية من عدمه، نعم قد يُصاحب هذا الوقوف ضرر بصاحب المحل الذي قد يحتاج إلى تلك الفسحة في أي لحظة لتفريغ أو شحن حمولة ما، كما إنّ وقوف السيارات بعض الأحيان يحجب رؤية المحل وما يُعرض فيه، إلى غير ذلك من المضار الأخرى، التي تؤثر نوعا ما على الأسباب المُتخذة لطلب الرزق، كما إنّ الفترة الأخيرة التي شهدت استخدام بعض المخرّبين السيّارات لنشر القتل والإرهاب بين الناس دفعت أصحاب المحال التجارية لمنع وقوف السيارات خوفًا من الخطر المميت المتوقّع، وفي بعض الدول يدفع صاحب المحل -خاصّة الأسواق الكبيرة- للدولة أموالًا لكي يكون المجال أمام محلّه أو سوقه فارغًا، فإذا جاء مَنْ يقف هناك بسيارته فإنّه سيسبّب بكلّ تأكيد لصاحب المحل ضررًا.
وبناء على ما تقدّم:-
نعم يجوز لصاحب المحل أنْ يمنع وقوف السيّارات أمام محلّه إذا تحقّق أو غلب على ظنّه أنّ الضرر يلحقه بذلك، على أنْ يفعل ذلك بأسلوب نبوي كريم فيه معاني الرحمة واللطف.
قال الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ، وَيُعْطِي على الرِّفق ما لا يُعطي عَلى العُنفِ، وَما لا يُعْطِي عَلى مَا سِوَاهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
وإذا علم المسلم صاحب القلب المرهف الذي يشعر بالآخرين ويرجو لهم الخير بأنّه قد يُؤثر على رزق غيره ولو بنسبة ضئيلة فعليه أنْ يكون بعيدًا عن أيّ موطن فيه شبهة إلحاق الضرر بغيره، فيجتهد ليوقف سيارته في الموقف الخاص لوقوفها وإنْ كان بعيدا نوعًا ما؛ فهذا أسلم لدينه وماله، وعلى المسؤولين في هذا القطاع أنْ يجتهدوا لإنشاء مواقف للسيارات قرب المناطق التجارية فهذه من مظاهر المدنية والتحضّر وممّا يدفع به حاجة الناس وتقل بذلك المشاجرات والمضار المترتبة على هذه الأمور.
والله جلّت صفاته أعلم.
اللهمّ أصلح أحوال المسلمين ووفقهم لكلّ خير ورقيّ.
وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.