2021-01-04
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي حضرة الشيخ، حفظكم الله ورعاكم.
أنا علي رحيم من أستراليا، طالب شريعة في الأردن وطالب عند الشيخ عبد الله الجميلي، إني مبتدئ في اللغة العربية والعلوم الشرعية، والحمد لله منذ سنتين أتابع هذا الموقع المبارك، جزاكم الله خير الجزاء وتقبل منا ومنكم.
سيّدي الشيخ، في مدينتي برزبن (شمال سيدني بألف كيلو متر)، هنالك ٥ “أئمة” أو كما يسمون أنفسهم “بالعلماء” وعمرهم في الثلاثينات. درسوا في جنوب أفريقيا أقل من ٥ سنوات، ولا يعرفون اللغة العربية ولم يحفظوا القرآن الكريم، وإلى الوقت الحالي لم يثبتوا شهادتهم في العلم الشرعي الذي يقومون بتدريسه.
قبل ٤ سنوات أسّسوا أول معهد إسلامي اسمه (Academy Alive)، لديهم دورة واحدة سنوية اسمها ‘ترجمة القرآن’ لعام الناس بلا شرط أنْ يعرف الطالب أو الطالبة قبل بدء الدورة اللغة العربية أو أي علم من العلوم الشرعية، باستثناء قراءة القرآن إلى حد ما. ويدعون بأنّ مَنْ يكمل لديهم الدورة وفي عام واحد سيستطيع أنْ يترجم القرآن كاملا، ويعرف الترجمة في أي آية بالقرآن وفي أي وقت.
يعلِّمون في خلال هذه السنة الشيء القليل من النحو والصرف للغة العربية ولكن يدرسونها باللغة الانجليزية وكذلك المعرفة السطحية في الإعراب واستخدام القاموس.
مكان الدروس هو في داخل المسجد مع وجود طلاب وطالبات من العمر ١٢ – ٧٠ في مكان واحد بدون حاجز بين الرجال والنساء.
سمعتهم سيئة وعملوا مشاكل في المدينة منذ ١٠ سنوات، واحد منهم تزوج طالبته، واثنان منهم تبادل زوجاتهم، وفي أحداث كثيرة عن سوء سلوكهم مع النساء وشكاوى كثيرة جدا حتى من عائلتي.
يدعون بأنّ فهم معاني القرآن الكريم أمر فرض على كلّ ذكر وأنثى لذلك يقومون باستغلال الناس البسطاء بحجة الإثم والذنب وإنْ كانت ظروفهم صعبة أو وقتهم ضيّق. وأجور هذه الدورات تكلف 5 آلاف دولار استرالي في السنة. أي ما يعادل حوالي 3800 دولارا أمريكيّا.
وقاموا بنشر كلام مغرض في حق علماء مؤهلين يقومون بتعليم اللغة العربية والعلوم الشرعية زاعمين أنهم يسرقون رزقهم. وبسبب التمويل الكبير الذي يحصلون عليه، قاموا باحتكار مجال تدريس العلوم الإسلامية ولم يترك للناس خيارا آخرا.
فلهذا سيدي الكريم، لدي بعض الأسئلة راجيا أن تمنّوا عليّ في الإجابة:-
1. ما هو أهم علم من علوم الشرعية ينبغي أنْ يعطى أو يعلّم العاميين في الغرب؟ (قائمة أو ترتيب أهم العلوم).
2. ما هو التركيز الأساسي في تدريس القرآن الذي يجب أنْ يعطي الناس العاميين الذين لا يتكلمون العربية في مجتمع الغربي؟ هل هي التلاوة والتجويد، والحفظ، والفهم؟
3. هل فهم القرآن للعلماء فقط وليس للناس العاديين؟
4. ما معنى هذا الحديث من سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم [طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ]؟
5. هل من الصحيح أو المفيد تعليم الناس العاديين كيفية ترجمة القرآن؟
6. ما هي شروط وقواعد ترجمة كلام الله عزّ وجلّ؟
7. ما هي الحدود التي ينبغي أنْ لا يتخطاها العالم أو الشيخ أثناء تدريسه لطالبته؟
وأعتذر على الإطالة.
الاسم: علي رحيم رين
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكر لكم ثقتكم بالعبد الفقير الذي يلتمس دعائكم له بظهر الغيب بأنْ يمكّنه من خدمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأعانني الله تقدّست صفاته وإيّاكم على هذا الزمان الذي ضاعت فيه جمالية الدِّين وكمال حضارته.
بدءًا: أرجو من جنابكم الكريم -وأنتم حريصون على دين الله جلّ اسمه كما هو واضح من سؤالكم- الانتباه إلى نقطتين:-
الأولى: لا يستغرب ما ذكرته في السؤال، فهذا من آثار الصراع الحضاري بين الخير والشر، ولا أستبعد وجود الأيادي الخفيّة التي تعمل ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا على تشويه صورة الإسلام في الخارج، وتمييع أساسياته، وصهره في حضارات أخرى تختلف عن حضارته سدى ولحمة.
ثانيا: الانتباه إلى عدم إثارة الفتن، وضربِ المثل السيّء بالناس، ومحاولة الإصلاح قدر المستطاع، والعمل الإيجابي خير من كثرة النقد، فأنْ تضيء شمعة خير من أنْ تلعن الظلام، وكما ينقل الآخرون الصور السلبية في مؤسسات، فليعمل جنابك مجلسًا لذكر الله تبارك اسمه -ولو بحد أدنى- لتكون منارة؛ لنقل الصورة الإيجابية، وتبيين حقائق هذا الدِّين العظيم، حلقة هي بمثابة واحة خضراء في وسط صحراء جرداء، ينهل منها العطاش من حقائق الإيمان، ويستضيء الحائر بنور القرآن الكريم.
أمّا التفاصيل والفرعيات في الأمور الفقهية وغيرها، فهذا من شأن أهل الاختصاص، فالحِفاظ على حصن الإيمان، والارتقاء ببنائه، أهمّ ما يجب على عوامّ المؤمنين وخواصهم في كلّ مكان وزمان، هذا مع تعلّم ما يجب من شرع الله سبحانه بحسب الموقع والحاجة.
وكلّ هذا يتمّ تحت مقولة، دائمًا ما أذكرها وأذكِّر بها أحبابي والمسلمين جميعًا:- (اخْتَرِقْ وَلَا تَحْتَرِقْ)
فعملنا في نشر دين الله تبارك اسمه يكون بالحكمة مع الانتباه إلى الحفاظ على إيماننا ومنهجنا.
ويا حبّذا لو أكثر المسلمون التأمّلَ فيما نزل من أوائل سور القرآن الكريم، ففيها بناء شخصية المسلم والمجتمع على ضوء هدايات هذه السور كما ذكرتُ ذلك في محاضرات المشورة المنشورة على هذا الموقع المبارك.
أمّا الجواب على أسئلة جنابكم، فكالآتي:-
1- أهمّ عِلْمٍ على الإنسان أنْ يتعلّمه أوّلا هو:-
معرفة آساس الاعتقاد؛ إذ هو محطّ الفارق بين المؤمن والكافر.
ثمّ معرفة الأخلاق والمعاملات التي أمر الله سبحانه بها.
وينبغي الاعتقادُ بأنّ التلقّي عن أهل العلم هو الوسيلة المثلى للفهم الصحيح لدين الله تعالى، فالتتلمذ على الكتب فقط طامَّة عظمى وداهية كبرى، ابتلي بها أهل الإسلام، كان من آثارها شيءٌ ممّا ذكره جنابكم الكريم في السؤال.
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1459، 1515) والمشاركة المرقمة (220) في هذا الموقع الميمون.
2- أمّا ما يتعلق بالقرآن العظيم، فالأصل أنْ يتعلّم المسلم ما تصحّ به عباداته أوّلًا ثمّ يبدأ بالتدرّج في الحفظ أو تصحيح القراءة على حسب واقعكم وحاجتكم، كلّ ذلك مع التأمّل والتدبر في آياته، حتّى ولو كان الحفظ أو الورد اليومي للقراءة قليلا مع ملاحظة ما يأتي في النقطة الثالثة والرابعة.
3- أمّا فهم القرآن الكريم، فهناك تفسير، وفهم:-
أمّا التفسير فلا يحق لكلّ أحد أنْ يخوض غماره إلّا من أمتلك أدواته.
وأمّا الفهم فهذا لا ينحصر بأحد، فلكلٍّ أنْ يأخذ من مائدة القرآن الكريم وبحره العميق ما يفتح الله تعالى عليه، إذا كان منضبطًا بضوابط الشرع الشريف التي اتفق عليها أهل الإسلام.
فالقرآن العظيم الذي أنزله الله جلّ وعلا للإنسان يستحيل أنْ يكون فهمه مغلقا، أو محصورًا في عدد من الأشخاص في الأمّة، وهذا هو الغالب فيما يتعلّق بتعظيم الله عزّ كماله، والتفكّر في آثار أسمائه وصفاته في الكون، وغرس معاني العبودية له جلّ ثناؤه، فهو القائل سبحانه:-
{وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [سورة القمر: 17].
أمّا ما كان طريقه الأحكام، فلا يحلّ للإنسان أنْ يقحم نفسه فيه، بل يجب عليه أنْ يعود إلى أهل الاختصاص.
والقرآن الكريم بهذه الرؤية متسع لكلّ الأمّة، فمنه ما هو عامّ للنّاس جميعًا في الفهم، ومنه ما هو خاص بالعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومنه ما لا يعلم تأويله إلّا الله تقدّست ذاته.
4- أمّا معنى الحديث الشريف فقد اختلف في تحديده أهل العلم، وقد أجاد الإمام الغزالي عليه الرحمة والرضوان في بيان المقصود بكلام جامع، يعتمد على جملتين، وهما: واجب الوقت، والتدرّج، فلكلّ وقت عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ.
ثمّ ختم كلامه رحمه الله جلّ جلاله:-
(فإذا انتبهتَ لهذا التدريج علمتَ أنّ المذهب الحق هو هذا، وتحققتَ أنّ كلّ عبد هو في مجاري أحواله في يومه وليلته لا يخلو من وقائع في عبادته ومعاملاته عن تجدد لوازم عليه فيلزمه السؤال عن كلّ ما يقع له من النوادر، ويلزمه المبادرة إلى تعلّم ما يتوقع وقوعه على القرب غالبًا، فإذا تبيّن أنّه عليه الصلاة والسلام إنّما أراد بالعلم المعرّف بالألف واللام فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (طَلَبُ العِلْمِ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) الإمام ابن ماجه رحمه ربّنا تباركت صفاته، علم العمل الذي هو مشهور الوجوب على المسلمين لا غير فقد اتضح وجه التدريج ووقت وجوبه، والله أعلم) ينظر للفائدة التامّة كلامه كاملا في كتابه: إحياء علوم الدين (1/14 – 16).
5- أّمّا الترجمة فهي ليست من فروض العين على كلّ مسلم، بل إنِ احتاج الإنسان لها تعلّمها على حسب حاجته، فمثلا العاملون في مجال الدعوة في غير ديار المسلمين يحتاجون لتعلّم لغة البلد الذي يدعون فيه لدِين الله تعالت عظمته؛ لنقل معالمه وبيانه.
أمّا شروط الترجمة فقسمان:-
أ- حرفية.
ب- معنوية أو تفسيرية.
أمّا الترجمة الحرفية: فهي نَقْل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، مع الحفاظ على النظم والترتيب، وجميع معاني الأصل المترجَم، وهذا أمر غير ممكن بالنسبة لكتاب الله جلّت عظمته؛ لأنّ القرآن الكريم نزل معجِزًا للخلق، قال ربّنا تعالى شأنه:-
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء: 88].
وأمّا المعنوية أو التفسيرية فهي: عبارة عن شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى، فهذه جائزة، لأنّ عبارة الترجمة التفسيرية محاذية لعبارة التفسير، لا لعبارة الأصل القرآني، وشروطها:-
أ- أنْ تكون على قواعد التفسير، مستمَدة من الأحاديث النبوية، وعلوم اللغة العربية، والأصول المقررة في الشريعة الإسلامية، أمّا إذا استقل المترجم برأيه في استحضار معنى القرآن الكريم، أو اعتمد على تفسير ليس مستمَدًّا من تلك الأصول، فلا تجوز ترجمته ولا يُعتدّ بها.
ب- أنْ يكون المترجِم بعيدًا عن الميل إلى عقيدة تخالف ما جاء به القرآن الكريم.
ج- أنْ يكون المترجِم عالمًا بلغتين: المترجَمِ منها، وإليها، خبيرًا بأسرارهما، يعلم جهة الوضع والأسلوب والدلالة لكلّ منهما.
د- أنْ يكتب القرآن الكريم أوّلًا، ثمّ يؤتى بعده بتفسيره، ثمّ يُتْبِعُ هذا بترجمته حتى لا يتوهّم أحدٌ أنّها ترجمة حرفية للقرآن الكريم.
6- أمّا الحدود مع الطالبات في التدريس: فلنعلم أوّلًا أنّ للمرأة نصيبها من العلم في حضارة الإسلام، وفي تاريخه طالبات عِلْمٍ شَهِدَ لهنّ بذلك، وما لنا نذهب بعيدًا، فها هنّ يحرصن على طلب العلم في مجلس الطهر والنقاء، والقلوب التي تعرج إلى خالقها بحضرة شمس الرسالة سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ومَن على طريقته سار وأقدم، فعن سيّدنا أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:-
(قالتِ النِّسَاءُ للنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لَنَا يَوْمًا مِن نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وأَمَرَهُنَّ، فَكانَ فِيما قَالَ لهنَّ: ما مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِن ولَدِهَا، إلَّا كانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ فَقالتِ امْرَأَةٌ: واثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: واثْنَتَيْنِ) الإمام البخاري رحمه ربّنا الباري جلّت صفاته.
والضوابط الشرعية في هذه المسألة هي نفسها في كيفية التعامل مع النساء عموما: من اجتناب الخلوة والاختلاط المريب، والمحافظة على غض البصر، وأنْ يكون الكلام بحشمة، والاقتصار على قدر الحاجة من غير خضوع بالقول.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2470) وما أحيل فيه من أجوبة في هذا الموقع الأغرّ.
كما أرجو من جنابكم الاستمرار بالتواصل مع فضيلة الشيخ: عبد االله الجميلي وفقه الله تعالى لكلّ خير.
والله جلت صفاته أعلم.
وصلّى الله تعالى على جميل المُحيّا، مَنْ به غيّر الله تعالى وجمّل الدنيا، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه، ما أشرق صباحٌ، وما أنارت الثريّا.