2021-03-07
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله
أنا مريض بتصلّب العصب الحركي (ALS) وهو مرض انتكاسي ويمنعني من الحركة ولا أستطيع المشي أو قيادة سيارة ولا أستطيع الذهاب إلى المسجد إلّا باستئجار تكسي فأرجو أوّلا دعاءكم ولكن ما يؤذيني أكثر هو سؤال زوجتي لي (لماذا تمرضت وهناك أناس سيئون لم يتمرضوا؟) وتطالبني بشراء سيّارة لنقلها إلى العمل ولكنّي لا أستطيع القيادة وهذا يشعرني بالعجز ويزيد حالتي سوءا فأرجو نصيحتكم وجزاكم الله خير الجزاء.
من: الخادم
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله العظيم أنْ يمنّ عليك بالعفو والعافية وعلى جميع مرضى العالمين إنّه سبحانه أرحم الراحمين.
لا شكّ أنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار، وأنَّ الله العليم الغفار جلّ ذكره، سيجزي الصابرين المحتسبين أجرًا عظيمًا يفوق الحصر، قال جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر: 10].
وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِذَا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ) الإمام أحمد رحمه الله الممجد جلّ شأنه.
ثمَّ إنَّ سنّة الله جلّ وعلا، وحكمته في الخلق، قد اقتضت أنْ يبتلي عباده ليتبيّن المؤمن من الكافر، والتقيّ من المدّعي، والصادق من الكاذب، قال عزَّ مِن قائل:-
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 179].
وقال عزّ وجلّ:-
{الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [سورة العنكبوت:1-3].
قال الإمام ابن كثير رحمه العلي الكبير سبحانه في تفسيره ما نصّه:-
(لَا بُدَّ أَنْ يَعْقِدَ سَبَبًا مِنَ الْمِحْنَةِ، يَظْهَرُ فِيهِ وَلِيُّهُ، وَيَفْتَضِحُ فِيهِ عَدُوُّهُ. يُعرف بِهِ الْمُؤْمِنُ الصَّابِرُ، وَالْمُنَافِقُ الْفَاجِرُ) تفسير القرآن العظيم (2/173).
إذن فالصبر على البلاء وعدم الجزع مطلوبٌ شرعًا، والأجر فيه بقدر قوّة التسليم لله سبحانه.
فلا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة أنْ يصدر عنهما قول أو فعل ينافي الرضا بقضاء الله جلّ وعلا وقَدَرِهِ، فحينما يكرم أحدًا من عباده شيئًا من زهرة الحياة الدنيا لا يعني أنّه مقبول عنده سبحانه، وكذا إذا ابتلاه لا يعني أنّه غير مقبول عنده جلّ جلاله وعمّ نواله فهو القائل:-
{فَأَمَّا الإنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ} [سورة الفجر:15-17].
فالله عزّ وجلّ يُنعمُ على مَنْ يُحبُّ ومَنْ لا يُحبّ، ويَمنعُ عمَّنْ يُحبُّ وعمَّن لا يُحبّ.
فالموازين عند الله عزّ وجلّ تختلف، فسادتنا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، هم أشدّ الناس بلاءً، فهل يعني أنّهم غير مقبولين عند الله جلّ وعلا؟
ولمزيد من الاطلاع أرجو مراجعة أجوبة السؤالين المرقمين (817، 2676) في هذا الموقع المبارك.
ونصيحتي لزوجتك الكريمة أنْ تقف معك، فتكون لك سندًا وعونًا، لا أنْ تزيدك همًّا وغمًّا.
فالزواج محبّة ومودّة واحترام، ولا بُدّ أنْ تعلم ممّا تقدّم، أنّ مرض الزّوج لا يدلّ على أنّه سيئ.
وأدعو الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنْ يبارك بأزواج وذريات المسلمين والمسلمات، وأنْ يجعلهم لعامة الناس قدوة ومنارات، إنّه سميع قريب مجيب الدعوات.
أمّا ما يتعلّق بشراء سيّارة، فأدعو الآباء والأمهات بضرورة أنْ يتعلّموا ويعلّموا أبناءهم وبناتهم قيادتها لأننا نعيش في زمن أصبحت السيارة ضرورة، فقد يتعذر على الزوج أو البعض منهم القيادة لسبب ما، فيكون بعضهم عونا لبعض عند الحاجة إليها.
لذا أنصحك بشرائها إنْ كنت مقتدرا.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على أكرم وأحنّ مخلوق، حضرة النبيّ العربي الشفيق، سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أهل الجود والتحقيق وسلّم تسليماً كثيرًا.