2022-01-12

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة تعالى وبركاته

نفع الله تعالى بكم شيخنا الحبيب

ربنا تبارك وتعالى ذكر {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 104]

كيف يتيقن المسلم أنّه ليس من هذا الصنف؟ وأنّ الله عزّ وجلّ يقبله وهو على خير؟

 

الاسم: ثامر رشيد

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرًا جزيلًا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:-

ينبغي للمسلم أنْ يتثقف بثقافة الإسلام قدر المُستطاع ليكون على بيّنة من دِينه، إخلاصًا واتباعًا، ويبحث عمّن أناب إلى الله سبحانه من السادة الأولياء المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ ويتشبّث بهم؛ فبهم ومعهم يكون صلاح أعمال القلوب والجوارح، وتكون ثمرة الصنيع زاكية نامية مقبولة بإذن الله جلّ وعلا.

التفصيل:-

قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [سورة الكهف: 103 – 105].

الآيات المباركات كما هو ظاهر في سياقها نزلت في حقّ الكفّار الذين كفروا بالله جلّ في علاه ولقائه، وأضلتهم شياطينهم فزيّنت لهم أعمالهم وحسبوا أنّهم مهتدون.

 

وكونها نزلت في الكافرين لا يعني أنّها لا تشمل غيرهم، بل تعمّ جميع الذين أعرضوا عن الله تعالى وشريعته من أهل البدع والضلال والانحراف حتّى لو كانوا من المسلمين لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

قال علماء التفسير رحمهم الله عزّ وجلّ في قوله سبحانه (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا):-

(أَي: عَمِلُوْا أَعْمَالًا بِاطِلَةً عَلَى غَيْرِ شَرِيْعَةٍ مَشْرُوْعَةٍ مَرْضِيَّةٍ مَقْبُوْلَةٍ (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) أَيْ: يَعْتَقِدُوْنَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَأَنَّهُمْ مَقْبُوْلُوْنَ مَحْبُوْبُوْنَ) تفسير الإمام ابن كثير رحمه الله عزّ شأنه (5/202).

وأمثال هؤلاء كثير، فمنهم مَن انتهج نهج التشدّد حتّى سلك مسلك الإرهاب والعنف، فاستحلّ دماء النّاس وعاث في الأرض الفساد وهو يحسب أنّه يُحسن صُنعًا، وأنّ أفعاله الشنيعة إنّما هي جهاد في سبيل الله تعالى، وحاشا لله عزّ وجلّ، ولشرعه الشريف من هذا الفهم السقيم والمنهج اللئيم.

ومثلهم آخرون يطلبون الدنيا بالدِّين ويتطلّعون إلى المناصب والمغانم بحجّة خدمة النّاس وسياسة أمورهم.

ومنهم مَنْ يتشبّه بالصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ويدّعون حصولهم على السند الروحي والعلمي الموصول بحضرة خاتم النبييّن عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، والمؤهّل لتزكية النّاس، فيكون أحدهم قاطعًا للطريق، ويحسب أنّه يُحسن صنعًا.

وهكذا فالأنواع كثيرة متعددة.

وعليه ينبغي للمسلمين جميعًا أنْ يعضّوا بالنواجذ على الدِّين الذي شرّفهم به ربّ العالمين عزّ شأنه القائل:-

{— الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا —} [سورة المائدة: 3].

ويتطلّعوا إلى وسائل الهداية والإخلاص التي هدتها إليهم الشريعة الغرّاء ومنها:-

اتباع العلماء الربانيين الذين ورثوا علوم الشريعة من سيّد الخلق عليه وآله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، قال الله جلّ جلاله:-

{— وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ —} [سورة سيّدنا لقمان عليه السلام: 15].

وأرجو مراجعة جواب الأسئلة المرقمز (11، 117، 1816) في هذا الموقع الأغرّ.

فإذا كان المسلم كذلك لم يكن ممّن وصَفَتْهُم الآيات الطيّبات، وكان على خير كثير، وكانت أعماله بإذن الله تبارك في علاه على وفق الهدي الشريف ظاهرًا وباطنًا، وأنّ الله جلّ وعلا يقبله وهو أرحم الراحمين.

والله جلّت حكمته أعلم.

وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.