22/3/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته…

بارك الله تعالى فيكم شيخي وتاج رأسي أسأل الله العظيم ربّ العرش العظيم أنْ يحفظكم ويرزقكم دوام الصحة والعافية ويبارك في عمركم ويزيدكم من فضله ويكرمكم من كرمه ويجعلنا على خطاكم متبعين. وجزى الله تعالى القائمين على هذا الموقع المبارك، وجعله في ميزان حسناتكم.

السؤال:-

ما هو معنى المدد كأنْ نقول مدد يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو نقول مدد يا أولياء الله تعالى، أو مدد يا شيخ، ونسمّي اسم الشيخ، كما نسمع حين يقال مدد يا كيلاني قدّس سرّه؟ وما الحكم الشرعي له؟

 

الاسم: عبد الله القاسمي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.

الجواب باختصار:-

المدد هو:- طلب العون من الآخرين أحياءً كانوا أم أمواتًا.

ولا أحبّذ استعمال مثل هذه الألفاظ الموهمة لمَنْ يسمعها وتجعله يسيء الظنّ بقائلها وذلك بسبب ضعف الثقافة الروحية في هذا الزمان.

ومع ذلك لا مانع منه إذا كان منضبطا بالضوابط الشرعية.

التفصيل:-

حتى تكون الإجابة واضحة لا بدّ من التذكير بالحقائق الآتية:-

1- طلب المدد من القضايا الفقهية لا العقائدية، وبالتالي لا يجوز تكفير فاعلها، أو اتّهامه بالشرك، أو البدعة، أو الضلال، كما يفعل البعض من الناس وذلك بسبب خلطهم بين عِلْمَيّ الفقه والعقيدة.

2- ينبغي أنْ نعوّد أنفسنا حسن الظنّ بالمسلمين، فإذا سمعنا أحدهم يقول هذه الكلمة (مدد يا —) فلا بُدّ أنْ نفهم منها بداهة أنّها في الأصل طلبٌ من الله جلّ في علاه لأنّه هو الفاعل في الحقيقة، وطلبه من المخلوق لاعتقاده بقربه من الخالق سبحانه، وأنّ له عنده مكانة عظيمة تجعل مراده مجابا غير مردود.

قال الشيخ ابن القيّم رحمه المنعم جلّ ذكره:-

(أَرْبَاب الْحَوَائِج على بَاب الْمَلِكِ يَسْأَلُوْنَ قَضَاءَ حَوَائِجِهِمْ، وَأَوْلِيَاؤُهُ المُحِبُّوْنَ لَهُ الَّذِيْنَ هُوَ هَمَّهُمْ وَمُرَادُهُمْ جُلَسَاؤُهُ وَخَوَاصُّهُ فَإِذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَةَ وَاحِدٍ مِنْ أُوْلَئِكَ أَذِنَ لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ وَخَاصَّتِهِ أَنْ يَشْفَعَ فِيْهِ رَحْمَةً لَهُ وَكَرَامَةً لِلْشَّافِعِ، وَسَائِرُ النَّاسِ مَطْرُوْدُوْنَ عَنِ الْبَابِ، مَضْرُوْبُوْنَ بِسِيَاطِ البُعْدِ) الفوائد ص111.

3- إنّ عالم الروح واسع وعظيم وجليل فيه من الطاقات والإمكانات ما لا يمكن عدّه أو حصره، ولا يمكن البوح به إلّا لمَنْ ذاقه وعرفه، حتّى لا يصار إلى ما حذّر منه سيّدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه إذ قال:-

(حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وبعد هذه المقدّمة أقول وبالله جلّ وعلا التوفيق:-

الأصل أنْ يتوجّه المسلم إلى ربّه جلّ وعلا في قضاء حوائجه.

قال الحقّ تقدّست أسماؤه:-

{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 112].

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-

(كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ومن معاني توجّه العبد أنْ يَعلم أنّ الله جلّ جلاله له خواصّ في الأزمنة والأمكنة والأشخاص، يُكرم مَنْ شاء مِنْ عباده بمرتبة روحية عالية تمكّنه من إمداد غيره بها، فقد قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه فيما يرويه عن ربّه جلّ في علاه:-

(إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فكيف تكون طاقة مَنْ يسمع بسمع الله عزّ وجلّ، ويبصر ببصره — إلى آخر ما ورد في الحديث الشريف؟

وممّا يؤكّد ذلك قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(إِذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا أَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ عَوْنًا وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ، فَلْيَقُلْ: يَا عِبَادَ اللهِ أَغِيثُونِي، يَا عِبَادَ اللهِ أَغِيثُونِي، فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَا نَرَاهُمْ).

هذا الحديث الشريف رواه الإمام الطبراني رحمه الله تعالى وعلّق عليه بقوله:-

(وَقَدْ جُرِّبَ ذَلِكَ).

وممّا يؤيّده ذلك قول حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-

(إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ سِوَى الْحَفَظَةِ، يَكْتُبُونَ مَا يَسْقُطُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، فَإِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ عَرْجَةٌ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَلْيُنَادِ: أَعِينُوا عِبَادَ اللَّهِ) الإمام الْبَزَّارُ رحمه العزيز الغفّار عزّ شأنه.

وما الرابطة الشريفة التي يقوم بها السالك إلّا استفادة من روحانية شيخه ومرشده ولحقائقها أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1048، 1180) في هذا الموقع الأغرّ، وكتاب (الرابطة القلبية) في قسم أبحاث ودراسات.

وما يفعله الراقي إنّما هو مدد روحانيّ ينتفع به الذي يُرقّى بإذن المولى جلّ وعلا، صحيح أنّ الرقية آياتٌ شريفةٌ وصيغٌ شريفة وردت في السنّة المنيفة إلّا أنّها لا تؤتي ثمارها على الوجه التامّ إلّا إذا كان الراقي ينعم بحال من الإخبات والخضوع والخشوع والتوكل والصدق والإنابة لله سبحانه.

وبالتالي لا بأس بهذا الاعتقاد لأنّ الشرع الشريف بيّن أنّ من مننه على الإنسان أنّه سخّر بعضهم لبعض فقال:-

{— وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [سورة الزخرف: 32].

فالانتفاع من هذا التسخير في الماديات واضح، وهو أوضح في الروحانيات بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات، بل هو آكد لأنّ طاقات الروح أعظم بكثير من طاقات الجسد بدليل قول الله جلّ في علاه على لسان سيّدنا سليمان عليه السلام:-

{قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [سورة النمل: 38 – 40].

والذي قام بهذه المَهمّة الكبيرة هو سيّدنا آصف بن برخيا رضي الله تعالى عنه على رأي جمهور المفسرين رحمهم الله عزّ وجلّ بما عنده من إمكانات روحيّة منَّ عليه بها ربّ البرية جلّ جلاله وعمّ نواله.

وما دام الأمر متعلّقًا بالروح فلا فرق بين طلبه من الحيّ أو الميت لأنّ الروح موجودة في الحالين لكن بواقع مختلف، بل حالها بعد الموت أقوى لتحرّرها من الجسد.

قال الشيخ ابن القيّم رحمه الله عزّ شأنه:-

(وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا مِنْ شَأْنِ الرُّوْحِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ حَالِ الْأَرْوَاحِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْكِبَرِ وَالصِّغَرِ فَلِلرُّوْحِ الْعَظِيِمَةِ الْكَبِيْرَةِ مْنَ ذَلِكَ مَا لَيْسَ لِمَنْ هُوَ دُوْنَهَا وَأَنْتَ تَرَى أَحْكَامَ الْأَرْوَاحِ فِي الدُّنْيَا كَيْفَ تَتَفَاوَتْ أَعْظَم تفَاوُتٍ بِحَسَبِ تَفَارُقِ الْأَرْوَاح فِي كَيْفِيَاتِهَا وَقِوَاهَا وَإِبْطَائِهَا وَإِسْرَاعِهَا وَالمُعَاوَنَة لَهَا، فَلِلرُّوْحِ الْمُطْلقَةِ مِنْ أَسْرِ الْبَدَنِ وَعَلَائِقِهِ وَعَوَائِقِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ وَالْقُوَّةِ وَالنَّفَاذِ وَالهِمَّةِ وَسُرْعَةِ الصُّعُوْدِ إِلَى اللهِ وَالتَّعَلُّقِ بِاللَّهِ مَا لَيْسَ لِلرُّوْحِ المَهِيْنَةِ المَحْبُوْسَةِ فِي عَلَائِقِ الْبَدَنِ وَعَوَائِقِهِ فَإِذَا كَانَ هَذَا وَهِيَ مَحْبُوْسَةٌ فِي بَدَنِهَا فَكَيْفَ إِذَا تَجَرَّدَتْ وَفَارَقَتْهُ وَاجْتَمَعَتْ فِيْهَا قِوَاهَا وَكَانَتْ فِي أَصْلِ شَأْنِهَا رُوْحًا عَلِيَّةً زَكِيَّةً كَبِيْرَةً ذَاتَ هِمَّةٍ عَالِيَةٍ فَهَذِهِ لَهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ شَأْنٌ آخَرُ وَفِعْلٌ آخَرُ.

وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الرُّؤْيَا فِي أَصْنَاف بَنِي آدَمَ عَلَى فِعْلِ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ مَوْتِهَا مَا لَا تَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ حَالَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ مِنْ هَزِيْمَةِ الجُيُوْشِ الْكَثِيْرَة بِالْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْعَدَدِ الْقَلِيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَمْ قَدْ رُؤيَ النَّبِيُّ وَمَعَهُ أَبُوْ بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي النَّوْمِ قَدْ هَزَمَتْ أَرْوَاحُهُمْ عَسَاكِر الْكفْرِ وَالظُّلْمِ فَإِذَا بِجُيُوْشِهِمْ مَغْلُوْبَةٌ مَكْسُوْرَةٌ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَّتِهِمْ وَضَعْفِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَقِلَّتِهِمْ) الروح ص137 – 138.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، صاحب أعظم روح، وذكره بلسم للجروح، وعلى آله وصحبه أهل التوبة النصوح.