12/4/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
شيخي الفضيل أسأل الله تعالى أن يحفظك أنت وعائلتك الكريمة.. سؤالي يا شيخي أنا امرأة متزوجة ولدي أخت أصغر مني.. عندما يسألني (أحد ما) عليها لكي يأتوا لخطبتها كنت أبعدهم عنها وأرفضهم دون علم أختي.. وعندما عَلِمت أختي بأني أتدخل في حياتها لأننا نحتاجها من أجل مصلحتنا أنا وزوجي.. قطعت علاقتها معنا وآلان عمر أختي 40 سنة وأكثر.. ندمت أنا على هذا الفعل وأحسست بتأنيب الضمير بعد وفاة والديّ.. يا شيخ هل أنا وزوجي مذنبان على هذا الفعل؟ وإن كنا مذنبين ماذا نفعل كي نجعلها تسامحنا؟ وكيف نعتذر منها؟ وشكرا جزيلا..
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
الاسم: أم علي
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
على الرغم من عِظم الذنب الذي اقترفتموه إلّا أنّ الله جلّ وعلا يتوب على مَنْ أوفى بشروط التوبة للذنوب المتعلّقة بالعباد، وهي الندم، وطلب العفو والصفح، والسعي بكلّ صدق وهمّة لرفع الضرر الذي حصل، ومحاولة تزويجها بمَنْ يكرمها ويعوّض حرمانها.
لا شكّ أنّ ما فعلتماه ذنب عظيم جدًّا؛ ففيه ما فيه من منكرات عظيمة، منها الظلم والكذب والخيانة، وغير ذلك ممّا يستوجب على مَنْ يفعله أنْ يُراجع إيمانه وثقته بالله عزّ وجلّ، فالله تعالى يفتح للمتقين سُبل الخير والنجاة والمعونة.
قال الله جلّ جلاله:ـ
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [سورة الطلاق: 4].
فلو أنّكما زوجتما الفتاة في شبابها ومُقتبل عمرها حيث كان الخُطَّابُ يتوافدون لطلب يدها لكان الله تعالى يسّر لكما أموركما، ونَجَيْتُمَا ممّا أنتما فيه الآن من تبعات هذا الذنب والظلم العظيم، ومنه تأنيب الضمير الذي تشعران به.
إنّ النصوص الشريفة التي نهت عن الظلم عديدة منها قوله جلّ وعلا:ـ
{وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [سورة الزمر: 47].
وقوله تبارك اسمه:ـ
{وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 57].
وقال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فيما يرويه عن ربه عزّ شأنه أنّه قال:ـ
(يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
وقال عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:ـ
(اتَّقوا الظُّلمَ، فإنَّ الظُّلمَ ظلماتٌ يومَ القيامةِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.
وقال نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:ـ
(اتَّقِ دَعوةَ المَظْلُوْمِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.
والظلم: هو وضع الشيء في غير موضعه، ويطلق على مجاوزة الحدّ، والتصرّف في حقّ الغير بغير وجه حقّ، وهذه النصوص الكريمة من الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة نصّت على تحريم الظلم بين العباد، وهو من أعظم المقاصد التي جاءت الشريعة الغرّاء بتقريرها.
ينبغي لكما ولجميع المسلمين العلم بأنّه ليس من ثوابت الإيمان أنْ يستخدم المسلم إنسانا، ويستفيد من طاقاته ظلما ليسعد ويرتاح على حساب تعاسة أخيه وهضم حقه؛ فَلَعَمْرُ الحَقِّ تعالى إنّه لمنطق معوجّ ومخالف للفطرة السليمة، نابع عن ضعف الثقة بالله جلّ جلاله، مصدره النفس الأمّارة بالسوء التي تدعو صاحبها للأنانية البغيضة، وحبّ الذات والمصلحة، وإنّ كلّ ذلك قد حجب عنكما هدايات الشرع الشريف، وهي كثيرة وعديدة، فكيف أنتما أمام قول الرحمة المهداة عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:ـ
(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ جلاله.
وأرجو الاستماع إلى محاضرات دورة المحبة الموجودة في هذا الموقع الكريم.
ولا بُدّ من كلمة خاصّة لزوجك الذي ربّما يتحمّل المسؤولية الأكبر إذ كان من المفروض عليه كونه رجلًا أنْ يكون أيقظ قلبًا وعقلا وأكثر حرصًا من زوجته التي غفلت عن هذا الظلم العظيم وتمادت به، كيف لم يُحاسب نفسه، ويراجع زوجته عمّا فعلا من ظلم ظاهر لهذه الفتاة التي تخدمهم وترعى شؤونهم، فهل هذا جزاء الإحسان والإكرام؟ أين كان من قول المصطفى العدنان عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:ـ
(مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) الإمام أبو داود رحمه الله جل جلاله.
فبدلاً من مكافئتها والدعاء لها كان جزاؤها أنّكما حرمتموها حقًّا طبيعيًّا، وظلمتموها أيّما ظلم؛ ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
ولي توجيه للأخت المظلومة بارك الله تعالى فيها أنْ لا تُقابل الخطأ بالخطأ والمعصية بالمعصية، فقطيعة الرحم منهيّ عنها في شريعتنا الغرّاء، وفي هذا الباب أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2548) وما أحيل فيه من أجوبة في هذا الموقع المبارك.
وعليه لا ينبغي لها أنْ تتصرّف هكذا، بل تحتسب وتعذر وتغفر وتعفو وتصفح كي ترقى إلى هدايات قول الله جلّ جلاله:ـ
{وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سورة البقرة: 237].
ولقد مدح الله تبارك في علاه المؤمنين الذين يقابلون الظلم بالعفو والصفح، وأثنى عليهم بقوله الكريم:ـ
{وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [سورة الشورى: 23].
فالذي يملك فرصة العفو والصفح قد تحقق إيمانه ونال ثمراتها في الرقيّ والرفعة، قال العلماء رضي الله تعالى عنهم في تفسير الآية المباركة أعلاه:ـ
(وَلَمَنْ صَبَرَ عَلَى إِسَاءَةٍ إِلَيْهِ، وَغَفَرَ لِلْمُسِيْءِ إِلَيْهِ جُرْمَهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْتَصِرْ مِنْهُ، وَهُوَ عَلَى الانْتِصَارِ مِنْهُ قَادِرٌ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَجَزِيْل ثَوَابِهِ. (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) يَقُوْلُ: إِنَّ صَبْرَهُ ذَلِكَ وَغُفْرَانَهُ ذَنْبَ المُسِيْءِ إِلَيْهِ، لَمِنْ عَزْمِ الأُمُوْرِ الّتِي نَدَبَ إِلَيْهَا عِبَادَهُ، وَعَزَمَ عَلَيْهِم العَمَلَ بِهِ) تفسير جامع البيان للإمام الطبري رحمه الله عزّ وجلّ (21/551).
وأخيرًا أقول:-
إنّ ما فعلتماه ظلم كبير تجب التوبة منه، وبذل الجهد لرفع الضرر والظلم الذي وقع على أختك بسببكما.
ولمزيد اطلاع على التوبة وشروطها أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2112) في هذا الموقع الكريم.
وتبقى رحمة الله تعالى أوسع من ذنبكما، وهو القائل سبحانه:ـ
{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 135 – 136].
وإنّ من مقتضيات التوبة رفع الضرر فماذا نعمل الآن؟
عليكما المبادرة بهمة وصدق لمصالحتها، فاذهبا لزيارتها مع هدية قيّمة تطيب بها نفسها، واطلبا منها السماح والصفح، ولا تيأسا إذا ردّتكما لا قدّر الله تعالى، بل حاولا مرّات وكرّات، واستعينا إذا تطلّب الأمر بالأهل والأحباب، ويا حبذا أن تحملا معكما خبر رغبة أحد الرجال ممّن هو كفء لها بالزواج منها، ويمكن لكما الاستعانة بالمعارف والأقارب، أو بلجنة بناء عشّ الزوجية في مشروع الوالد المبارك، وهي لجنة مباركة أنشأها خادمكم لخدمة أمّة الحبيب عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين لمساعدتكم في تزويجها بإذن الله جلّ في علاه.
أسال الله عزّ وجلّ أنْ يشرح صدرها، وييسّر أمرها، ويغفر لكما ولنا ولجميع المسلمين، ويجعلنا ممّن يحكّم هدايات الشرع الشريف في نفسه وتصرّفاته، إنّه ولي ذلك والقادر عليه.
والله جلّت قدرته أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على حضرة النبيّ المعظم، وآله وصحبه أولي الفضل والكرم، ما تاب تائب عن ذنبه وندم.