15/4/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله شيخي
قرأت في هذا الموقع المبارك هذا النصّ (قراءة القرآن الكريم فالأرجح عدم الجواز إلّا للضرورة القصوى) بالنسبة للحائض.
وأنا أريد أنْ أختم القرآن في رمضان بقراءة جزء كلّ يوم لأنّي طالبة ولديّ دوام وامتحانات، وقتي ضيّق ولا أستطيع قراءة أكثر من جزء في اليوم الواحد بسبب ضيق الوقت.
فهل أستطيع القراءة؟ خلال فترة الحيض أم لا يجوز حتّى في مثل هذه الحالة؟
الاسم: سائله
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لكِ ولجميع المسلمين في طاعاتكم إنّه سبحانه سميع مجيب.
ما تفضلتم به من السعي لختمة مباركة في شهر رمضان الكريم، شهر القرآن العظيم جهدٌ مستحبٌّ لكنّه لا يُعَدُّ ضرورة ليُبَاحَ للحائض، تعظيمًا لحرمات الله جلّ في علاه القائل:-
{ذلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِن تَقوَى القُلوبِ} [سورة الحج: 32].
قال الحقّ جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [سورة طه: 1 – 3].
إنّ إقبال أمهّاتنا وخالاتنا وعمّاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا على قراءة القرآن الكريم في هذا الشهر الفضيل دليل على تقواهنّ وتعلّق قلوبهنّ به، وصدق توجههنّ إلى الله جلّ في علاه، وفيه خير كثير وكبير.
صحيح أنّ الشرع الشريف حثّ على اغتنام مواسم الخير في الازدياد من الطاعات وأعمال البرّ، ومن أعظمها هذا الشهر الجليل وقراءة القرآن الكريم فيه.
قال الحق عزّ شأنه:-
{شَهرُ رَمَضانَ الَّذي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى لِلنّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرقانِ —} [سورة البقرة: 185].
وعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-
(كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أجْوَدَ النّاسِ، وكانَ أجْوَدُ ما يَكونُ في رَمَضانَ حِينَ يَلْقاهُ جِبْرِيلُ، وكانَ يَلْقاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فيُدارِسُهُ القُرْآنَ، —) متفق عليه.
وهذا ما حرص عليه سلف الأمّة رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وإليكِ بعض الشواهد:-
أولا: (كَانَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُوْدٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ فِي ثَلَاثٍ، وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ.
ثانيا: كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، يختم في رمضان ستين ختمة. الإمام أبو بكر الزبيري رحمه الله جلّ وعلا في فوائده ص٦٨.
ثالثا: الإمام علي الأزدي كان يختم القرآن الكريم في رمضان كلّ ليلة، وكان ينام ما بين المغرب والعشاء. الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ شأنه.
لكن لا يفهم من هذه النصوص الشريفة ومثيلاتها وجوب ختم القرآن الكريم في هذا الشهر الفضيل، بل يُستحبّ لمَنْ أعانته الظروف.
ويبقى الأصل في المسألة قوله سبحانه:-
{— فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المزمل: 20].
ويمكن أنْ تعوّض المرأة فترة عذرها الشرعي بأيّام طهرها إذ تزيد من قراءة القرآن الكريم في صلاة السنن، فلها أنْ تجعل المصحف الشريف على محمل أمامها وتفتحه فتقرأ منه صفحة أو صفحتين في كلّ ركعة، فلو صلّت التراويح مثلا عشرين ركعة فهذا يعني أنّها أكملت قراءة جزء أو جزئين يوميا، وفي ذلك من الخير العظيم ما الله جلّ وعلا به عليم.
ولا بدّ أنْ أذكّر هنا بضرورة أنْ تكون القراءة لآياته البيّنات بتأمّل وتدبّر، وفهم وتفكّر، وليست سردا وهذرا.
عَنْ أَبِي وَائِلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-
(جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُوْدٍ، فَقَالَ: — إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ، إِنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
قوله: كَهَذّ الشِّعْر، يُنْكِرُ عليه الإسراع بالقراءة.
وَقَالَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَيْضًا:
(لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ، كَهَذِّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (التَّمْر الرَّدِيْء)، وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ.
وزاد في رواية فقال:-
(وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ) الإمام البيهقي رحمه الله عزّ شأنه.
ويؤكّد هذا اسم القرآن نفسه، فهو مصدر قرأ – يقرأ – قراءةً وقرآنًا.
ومن المعلوم في لغة العرب أنّ الزيادة في المبنى تدلّ على الزيادة في المعنى، فإذا قلت: قرأت هذا الكتاب، دلّت جملتك هذه على مطلق القراءة سواء كانت بفهم أم لا، لكنّكِ إذا قلت: قرأت هذا الكتاب قراءة، دلّ ذلك على أنّ قراءتك كانت بتأمّل وتدبّر وتفكّر، فكيف لو كان قرآنا؟ فهذا أبلغ في المعنى.
وبعد هذا الذي تقدّم أقول وبالله سبحانه التوفيق:-
إنّ جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم قد نصّوا على أنّ قراءة القرآن الكريم حال العذر الشرعيّ للمرأة لا تجوز لمخالفتها النصوص، ومنها:-
قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(لاَ تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلاَ الجُنُبُ، شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ ذكره.
وعلّق الإمام الترمذي رحمه الله تعالى على هذا الحديث الشريف فقال:-
(وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِثْلِ: سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لاَ تَقْرَأِ الحَائِضُ وَلاَ الجُنُبُ مِنَ القُرْآنِ شَيْئًا، إِلاَّ طَرَفَ الآيَةِ وَالحَرْفَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَرَخَّصُوا لِلْجُنُبِ وَالحَائِضِ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ) سنن الترمذي (1/195).
ولم أجد دليلا شرعيا يطمئنّ إليه قلبي يجيز لها ذلك، ولا أرى ضرورة لهذا، ففضل الله عزّ شأنه على الأمّة كبير ورحمته سبحانه واسعة، إذ لم يحصر ذكره في قراءة كتابه العزيز فحسب بل فتح لنا أبوابا كثيرة كالتسبيح والتحميد والتمجيد والتكبير والتهليل والاستغفار والصلاة والسلام على حضرة نبيّنا المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأبرار.
وهذا فيه خير كبير وهو أفضل بكثير من ترك شعيرة هي من أجلّ شعائر الإسلام التي أمر الله جلّ وعلا بتعظيمها وجعلها علامة على تقوى القلوب فقال:-
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سورة الحج: 32].
وليس هناك من مبرر للانخراط وراء بعض الفتاوى التي تبيح ذلك فإنّ النسبة العالية منها لا ترقى إلى ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لا أقول هذا تعصّبا والعياذ بالله سبحانه إنّما هو الحقّ الذي أعتقده وأدعو إليه حامدا المولى الكريم جلّ جلاله إنْ كان صوابا، وأستغفره وأتوب إليه إنْ كان خطأ.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2، 588) في هذا الموقع الأغرّ.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك وعظّم على سيّد الأنبياء، وإمام الاصفياء، وأكرم أهل الأرض والسماء، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه الأتقياء، ومَن وفّى بعهده من الأوفياء، صلاة وسلامًا دائمين إلى يوم الدين والجزاء.