7/7/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله تعالى وبركاته سيّدي وقرّة عيني أسأل الله سبحانه وتعالى أن تكون في دوام الصحة والعافية، سؤالي سيّدي:-
كنا في دعوة في دار أحد الأصدقاء وأذّن المؤذن لصلاه المغرب وقمنا إلى البيت لأجل الصلاة فوجدنا البيت لا يتسع لإقامة جماعة واحدة حتى يكونوا جماعتين ومعلوم لدى حضراتكم البيوت في العراق الذي في غرفه لا يسمع الذي في الغرفة الثانية فأقيمت جماعتان، وهذا في شهر رمضان، فهل هذا صحيح؟ وما هو التوجيه؟
وجزاكم الله خير الجزاء
الاسم: أبو محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد.
تجوز إقامة أكثر من جماعة في البيت إذا دعت الضرورة إليها.
الصلاة جماعة في الموضع الواحد يجب أنْ لا تتعدّد إلّا إذا اقتضت الضرورة ولذا سُمِّيَ جماعة، ولِحِكَمٍ كثيرة منها:-
1- إبراز وحدة المسلمين في شعائرهم غالبًا ولا سيما في الصلاة.
قال عزّ من قائل:-
{حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة: 238].
2- التشبّه بالملأ الأعلى في الانتظام.
قال جلّ جلاله:-
{يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [سورة النبأ: 38].
وَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ اسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ: مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
(خَيْلٍ شُمْسٍ) أي التي لا تستقر بل تضرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها.
(عِزِينَ) أي جماعات متفرقة.
3- اتّحاد الوجهة ومَنْ يُقتدَى بهم، فهذه الصورة البديعة تجسّد مبدئًا إسلاميًّا عظيمًا أَلَا وهو وحدة القيادة والمصدر، فالجماعة لهم إمام واحد إذا قام قاموا، وإذا ركع ركعوا، —- إلخ.
قال تعالى ممتنًا على خليله سيّدنا إبراهيم على نبيّنا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتمّ التسليم وآلهم وصحبهم أجمعين:-
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [سورة البقرة: 124].
وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
4- الإرشاد إلى ضرورة الإفادة من صور الوحدة والتلاحم، فلا شكّ في أنّ الاجتماع إذا قام على مُعتَقَد سليم وأحكام ربّانيّة موثّقة يؤدّي إلى القوّة روحًا وجسدًا.
قال عزّ شأنه:-
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 103].
وَعَنْ سَيِّدِنَا الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ: لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
فوقوف المؤمن بجنب إخوانه لأداء شعيرة عظيمة من شعائر الدين وهي الصلاة مقتدين بإمام جَمَعَ الله سبحانه له أغلب صفات الخير، وقد سوّوا صفّهم أو صفوفهم، باب عظيم إلى ارتقاء الأرواح وتزكيتها ومضاعفة أجورها.
قال الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.
وقد جاءتنا بصائر من ربّنا سبحانه تبيّن تأثير الأرواح فيما بينها سلبًا وإيجابًا بشكل عامّ.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (203، 1838) وكتابي (الرابطة القلبية) المنشور على صفحة هذا الموقع الميمون.
لكنّي أختار هذه الرواية:-
عَنْ شَبِيبِ بْنِ أَبِي رَوْحٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:-
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ فَقَرَأَ فِيهِمَا بِالرُّومِ فَالْتُبِسَ عَلَيْهِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَحْضُرُونَ مَعَنَا الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَلْبِسُونَ عَلَيْنَا صَلَاتَنَا، مَنْ شَهِدَ مَعَنَا الصَّلَاةَ فَلْيُحْسِنِ الطُّهُورَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
وهذا ثابت في الأبحاث البشرية العلمية، وللاطلاع على بعضها أرجو التواصل مع
موقع الدكتور عبد الدائم كحيل حفظه الله سبحانه.
5- إبراز بشاعة الفرقة والانقسام من خلال الإرشاد إلى الوحدة والانتظام.
قال تعالى:-
{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 105].
وقال حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لَا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَلَى الضَّلَالَةِ أَبَدًا، وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ وجلّ.
فبناء على هذه الحِكَم وغيرها لا يصحّ تعدّد الجماعة في أداء الصلاة.
قال الإمام القرطبي رحمه الله سبحانه:-
(تَفَطَّنَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ —} [التوبة: 107]، فَقَالَ: لَا تُصَلَّى جَمَاعَتَانِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ، خِلَافًا لِسَائِرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعُ، حَيْثُ كَانَ تَشْتِيتًا لِلْكَلِمَةِ وَإِبْطَالًا لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَذَرِيعَةً إِلَى أَنْ نَقُولَ: مَنْ يُرِيدُ الِانْفِرَادَ عَنِ الْجَمَاعَةِ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فَيُقِيمُ جَمَاعَتَهُ وَيُقَدِّمُ إِمَامَتَهُ فَيَقَعُ الْخِلَافُ وَيَبْطُلُ النِّظَامُ، وَخَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ) الجامع لأحكام القرآن (8/257).
وقال الإمام الحطّاب المالكي رحمه الله جلّ وعلا:-
(وَأَمَّا الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِإِمَامَيْنِ وَيَتْبَعُ كُلَّ إمَامٍ طَائِفَةٌ وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فَيُشْكِلُ عَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ هَلْ يَتْبَعُونَ إمَامَهُمْ أَوْ غَيْرَهُ فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَصَلَاةُ مَنْ صَلَّى مِمَّنْ صَارَ فِي شَكٍّ هَلْ اتَّبَعَ إمَامَهُ أَوْ غَيْرَهُ فَاسِدَةٌ، وَلَوْ أَيْقَنَ أَنَّهُ اتَّبَعَ إمَامَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي شُغْلٍ عَنْ مُرَاعَاةِ ذَلِكَ قَدْ شَغَلَهُ التَّكَلُّفُ فِيهِ فَهَذَا لَا يَنْبَغِي) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/112).
فهذه الأقوال دلّت على بطلان صلاة الجماعة الثانية وكفى به رادعا ومؤدّبا لأمّةٍ أراد الله تعالى لها الخيرية.
قال جلّت حكمته:-
{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 110].
ولكنّ الشرع الشريف الذي أكرمنا الله عزّ وجلّ به لا يغفل عن متطلبات، ولا يصرّ على ما يوقع الناس في الحرج والشدّات، بل يوجّه إلى المخرج الذي فيه تفريج الكربات، وما ذاك إلّا تجسيد لرحمة الله سبحانه بالمسلمين والمسلمات، وإكرام لهم بيانًا لمنزلة سيّد السادات عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات وآله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات.
قال الله جلّ ذكره:-
{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الأعراف: 157].
وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وبناء على هذه النصوص الشريفة وغيرها، استنبط علماء الأصول رضي الله تعالى عنهم وعنكم قواعد ترفع الحرج عن المكلّفين، منها:-
1- المشقة تجلب التيسير.
2- إذا ضاق الأمر اتسع.
3- الضرورات تبيح المحظورات. شرح القواعد الفقهية للشيخ أحمد بن محمد الزرقا.
وبالتالي لا يجوز للجماعة الواحدة أنْ تتعدّد إلّا إذا وقعت في حرج شديد، أو لم يتّسع المكان لها، فحينئذ يمكن أنْ تقام جماعة ثانية لكن بعد أنْ تنتهي الأولى.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وآله وصحبه أهل الجود والكرم.