2/9/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي أتمنّى أنّكم في أتمّ الصحة والعافية

سيّدي هل يشترط على العالم الذي يدرّس العلوم الشرعية أنْ يكون مجازا من العلماء أم إذا كانت عنده الأهلية في التعليم يعلّم؟

لأنّي قرأت نصًّا للشيخ طاهر الجزائري يقول فيه:- 

(فائدة ثانية: الإجازة من الشيخ غير شرط في جواز التصدي للإقراء والإفادة، فمن علم من نفسه الأهلية جاز له ذلك وإنْ لم يجزه أحد، وعلى ذلك السلف الأولون والصدر الصالح، وكذلك في كل علم، وفي الإقراء والإفتاء، خلافا لما يتوهمه الأغبياء من اعتقاد كونها شرطا. وإنما اصطلح الناس على الإجازة; لأنّ أهلية الشخص لا يعلمها غالبا مَنْ يريد الأخذ عنه من المبتدئين ونحوهم; لقصور مقامهم عن ذلك، والبحث عن الأهلية قبل الأخذ شرط، فجعلت الإجازة كالشهادة من الشيخ للمجاز بالأهلية).

فهل يلزم من الشيخ الذي أتعلّم منه أن أعرف إجازاته وأطلع عليها؟ أم فقط بشهرته بين الأقران بأنّه عالم؟  

وهل طلبي لمشاهدة إجازات شيخي فيه سوء أدب منّي له أم لا؟

وشكرا

 

الاسم: أبو علي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

حفظكم الله سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.

الجواب باختصار:ـ

الإجازة العلمية ضرورة روحية وعلمية في تعليم وتعلّم العلوم الشرعية المباركة، والعلم دِين، وهو مبني على الإسناد؛ ولذا ينبغي للمسلم أنْ يعرف من أين يأخذ دينه.

ولا بأس أنْ يتأكّد طالب العلم من صحّة الإجازة العلمية للشيخ دون أنْ يُسيء الأدب معه، وذلك بالتأكّد من الأشخاص الذين حضروا منحها له من قبل أستاذه؛ فهذه سُنّة الإجازات في ثقافة المسلمين، إذ إنّ الشيخ المجاز يمنح الإجازة بخط يده لمستحقها في محفل من العلماء والناس تكريما وتعظيما لهذه الشعيرة المباركة.

التفصيل:ـ

قال الله جلّ في علاه:ـ

{— إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ —} [سورة فاطر: 28].

في الإجازة بركة السند الموصول إلى إمام العلماء سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وهذا أمر عظيم لا يمكن إدراكه وبلوغ مرتبته وبركته بدونها، ومن هنا كانت الإجازات الروحية والعلمية سمة بارزة في حضارة المسلمين منذ القرون الأولى.

فأصلها من القرآن الكريم؛ قال تعالى:ـ

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ —} [سورة النساء: 64].

ورسالات الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم بالتعليم كانت من ربّ العالمين جلّ جلاله، وهكذا تسلسلت الإجازات إلى وقتنا الحاضر فلا يمكن القول بأنّ مَنْ يشترطها غبيّ -أعزّكم الله تعالى- كما جاء في النصّ المذكور في السؤال:ـ

(فَمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْأَهْلِيَّةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُجِزْهُ أَحَدٌ، وَعَلَى ذَلِكَ السَّلَفُ الْأَوَّلُونَ وَالصَّدْرُ الصَّالِحُ، وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ عِلْمٍ، وَفِي الْإِقْرَاءِ وَالْإِفْتَاءِ، خِلَافًا لِمَا يَتَوَهَّمُهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنِ اعْتِقَادِ كَوْنِهَا شَرْطًا) الإتقان في علوم القرآن للإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1/355).

فرحم الله جلّ وعلا الإمام السيوطي فقد حاد في هذه الجزئية ـ وصفه بأنّ مَنْ يشترط الإجازة في التعليم من الأغبياء ـ عن منهج جمهور علماء المسلمين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وهذا لا يُنقِص من قدره ومقامه، فلكلّ جَوَادٍ كَبْوَةٌ، ولكلّ عَالِمٍ هفوةٌ، كما يُقال.

والحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ، وَيُتْرَكُ إِلَّا صَاحِبُ هَذَا القَبْر، صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) موطأ الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ (1/251).

ويمكن للشيخ المجاز أنْ يأذن لبعض تلاميذه ممّنْ وجد عندهم الأهلية العلمية والصدق في الخدمة ـ ولم ينالوا الإجازة العلمية بعد ـ بالتشرّف في خدمة إخوانهم من طلبة العلم ممّن هم دونهم في المستوى العلمي لكن بإشرافه المباشر.

وهذا تدريب لهم واختصار للزمن في تأهيل غيرهم من طلبة العلم.

وبهذا المعنى المتقدّم يُمكن حمل معنى كلام الإمام السيوطي رحمه الله جلّ في علاه.

كيف لا وقد ذكر نصوصًا سابقة في نفس الكتاب، وضمن نفس السياق أهميّة الشيخ المعلّم، وصرّح برجوعه إلى كلام أئمّة العلم، وأثنى على منهجهم في التربية والتعليم فقال مثلا:ـ

(وَإِنَّمَا يُسْلَكُ ذَلِكَ مَعَ شَيْخٍ بَارِعٍ عَظِيمِ الِاسْتِحْضَارِ) (1/354).

(وَأَمَّا قَدْرُ مَا يُقْرَأُ حَالَ الْأَخْذِ فَقَدْ كَانَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ لَا يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرِ آيَاتٍ لِكَائِنٍ مَنْ كَانَ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَرَأَوْهُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْآخِذِ) (1/354).

(وَقَدْ لَخَّصْتُ هَذَا النَّوْعَ وَرَتَّبْتُ فِيهِ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْقِرَاءَاتِ وَهُوَ نَوْعٌ مُهِمٌّ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْقَارِئُ كَاحْتِيَاجِ الْمُحَدِّثِ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ) (1/355).

أمّا أنْ يُدرِّس طالب العلم غيره لاعتقاده بأنّه يملك الأهلية أو أنْ يصف نفسه بالعالم فهذا غير صحيح لأنّه لا ينبغي للمرء أنْ يقيّم نفسه؛ وفي هذا مخالفة لسُنّة تحصيل العلوم كلّها.

ومن الضرورة بمكان أنْ يعرف طالب العلم شيخه ومدى صحّة إجازته ومشايخه وسيرة حياته، وهذا ما يدونه طلبة العلم في دراسة أي نتاج علمي لأيٍّ من السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

وليس صعبا معرفة الإجازة العلمية للشيخ المجاز، فهي على وفق حضارتنا الإسلامية الغرّاء تكون معلنة يحضرها جمع غفير من السادة العلماء وطلبة العلم وعموم الناس؛ فتكون بذلك مشهودة مشهورة معروفة بالتواتر.

ولا تكفي شهرة العلماء في عصرنا الراهن لشيوع الكذب وقلّة الأمانة وفساد أحوال الناس، كما أنّ مثل هذا الأمر الخطير ينبغي أنْ يُراعي المسلم فيه جانب الاحتياط والحذر لكثرة المدعين والمنتحلين هداهم الله تعالى جميعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ولمزيد فائدة واطلاع حول أهمية الإجازة العلمية وبركتها وأثرها في الأمّة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2328، 2601) في هذا الموقع الميمون.

والله جلّ جلاله أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.