2/12/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم وأسعدكم ووفقكم لكلّ خير وسداد ورزقكم مرافقة سيد الخلق وحبيب الحق سيّدنا وحبيبنا محمّد صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه.
سيّدي الحبيب حدثت مشادّة كلامية بيني وبين أهلي فقلت لها بالعاميّة (ابقي كفري) واقصد يقينا كفر الفضل، وكفر النعمة والإحسان، فمباشرة وبدون تفكير منها ردّت وقالت (أنت كافر أو أنت الكافر) هل يترتب على قولي أو قولها شيء؟
جزاكم الله تعالى ما هو أهله.
ورضي عنكم وأرضاكم
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
ينبغي على الرجال والنساء اختيار أجمل العبارات في الحوار لقوله تعالى:-
{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا —} [سورة البقرة: 83].
وَلِمَا للزوجين من مكانة فينبغي عليهما الارتقاء إلى أعلى المراتب في التقيّد بما يُثري الحياة الزوجية مودّةً ومحبةً واحترامًا، وقول أحد الزوجين للآخر: أنت كافر، لا يستقيم مع ما ذُكِرَ، وقد يؤدّي إلى الخروج من الملّة -عياذًا بالله تعالى- كما سأبينه في التفصيل.
إنّ هذا الدين العظيم تبرز مكانته من خلال تشريعاته، ومنها تطهير الألسنة وتهذيبها.
قال عزّ من قائل:-
{وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [سورة الإسراء: 53].
وكلّما ازدادت الصلة قربًا طُوْلِبَ المكلّفُ بتنمية الإحسان وتكميله كما هو الحال فيما بين الزوجين.
قال الحقّ جلّ جلاله:ـ
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
ولمزيد اطلاع على هذه المعاني أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2490، 2821)، والمشاركة المرقمة (227) في هذا الموقع المبارك.
حدوث مشكلة في الحياة الزوجية نسبة منها طبيعية فلا يخلو بيت منها لكن هذه لا تجيز لأحدهما قول (أنت كافر).
وعلى وفق هذه الهدايات لا ينبغي للمسلم كثرة العتاب واستخدام الألفاظ الموجبة للغضب، فمنها ما يكسر القلوب ويُحدثُ فيها من الجروح ما لا يفعله السيف المهنّد، وتوجيه الكلام لزوجتك بلفظ (أبقي أكفري) وإنْ كنتَ تقصد منه كفران العشير كما قال النذير البشير صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ
(أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فإنّه أسلوب غير موفق، خاصّة في حالة الغضب إذ أثار حفيظة زوجتك فقابلتك ـ وهي مخطئة بالطبع ـ بما قالت.
وهو كلام عظيم لا ينبغي قوله، حتّى لو لم تُرِدْ به المعنى الحقيقي لكلمة كافر.
قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
قال السادة العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
إنّ لفظة الكفر محمولة على الكفر الأصغر لا على معناها الحقيقي، واستدلوا بقول حضرة النبيّ الكريم عليه وآله أفضل صلاة وتسليم:ـ
(مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلاَمِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ المُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
فالقتل ليس كفرًا، وقد شبّه به تكفير المؤمن من باب التغليظ والتحذير.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ في علاه:ـ
(وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَهِيَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ، وَالتَّشْبِيهِ لَهُ بِالْكُفَّارِ، لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ. وَقَوْلِهِ: كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ. وَقَوْلُهُ: مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ. فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا. وَقَوْلُهُ: مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ. قَالَ: وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْكَوَاكِبِ. فَهُوَ كَافِرٌ بِاَللَّهِ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ. وَقَوْلِهِ: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ. وَأَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا أُرِيدَ بِهِ التَّشْدِيدُ فِي الْوَعِيدِ) المغني (2/332).
وأوصي الزوجين بالتوبة النصوح وحفظ اللسان اتباعًا لهدي حضرة النبيّ العدنان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفضل والعرفان، القائل:ـ
(مَنْ ضَمِنَ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ) الإمام أبو يعلى رحمه الله جلّ وعلا.
وعلى وفق ما تقدّم فلا أثرَ على ما تلفظّت به الزوجة فيما يتعلّق بصحة عقد الزوجية أو غير ذلك ممّا يتبادر إلى الذهن من الأحكام والآثار.
واللهَ سبحانه أسأل لجميع العوائل المسلمة السكينة والمودة والعيش الهانئ في ظلال الشريعة الغرّاء الحاوية لكلّ مقومات معاني الجمال والكمال في الأخلاق والأحوال والمعايش.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّ اللهمّ وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.