12-2-2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أكرمك الله يا سيّدي ورضي عنك وزادك نورًا على نور وأمدّنا من أنوارك.
لقد قرأت في أحد الكتب أنّ من واجبات الرجل للزوجة هو توفير الطعام والشراب والمسكن والملبس فإنْ تفضّل بأكثر من ذلك فهو مأجور إذا كانت هذه هي واجبات الرجل فما هي واجبات الزوجة؟
الاسم: Omar
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم سبحانه، وضاعف لكم الحسنات، ورفع لكم الدرجات، وأجاب لكم الدعوات، وأشكركم على زيارتكم لهذا الموقع الكريم.
العلاقة بين الزوجين فطرية، وهي أعمق وأوسع وأرقى من مجرّد واجبات، فالواجبات هي الحدود الأدنى لهذه العلاقة المباركة؛ فالواجبات يُناط بها التكليف لكبح النفوس الجامحة، وحفظ الحقوق في حال السطوة والظلم والخروج عن الفطرة السليمة، وبالنسبة للزوجة فواجباتها هي طاعة زوجها بالمعروف، وصيانة عرضه وماله وبيته وولده، وتمكينه من الاستمتاع بها، وسماع نصيحته، وعدم إدخال مَنْ يكره في داره.
العلاقة الزوجية آيةٌ من آيات الله جلّ في علاه.
قال جلّ جلاله:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
وهذه العلاقة أعمق وأشمل وأسمى وأغلى من مجرّد واجبات يلتزم بها كلا الزوجين، بل إنّ عش الزوجية يُبنى على التعاون والفضل والمودة -كلُّ تصرّف يُعبّر بها الحبيب عن محبته لمحبوبه- والرحمة والبذل والعطاء والتفاهم والتسامح؛ ليكون الزواج بعدئذٍ مشروعَ انسجامٍ وتكاملٍ يُعطي أفضل الثمرات، ويكون لَبِنَةً صالحة في المجتمع، ومحورًا لبثّ معالم الخير والنور والصلاح فيه؛ ولا يكون ذلك إلّا بسمو الأزواج للتفاعل مع فطرتهم التي فطرهم الله تعالى عليها؛ فلقد خلق الله تعالى سيّدنا آدم عليه السلام من التراب، ثمّ خلق السيّدة حوّاء عليها السلام من ضلعه، فحوّاء بهذا المفهوم جزءٌ من آدم، والجزء مفطور لأنْ يتبع الكُلّ، والكُلّ مفطور لأنْ يقود الجزء.
فالرجل قائد المرأة لا سيّدها بالمعنى الدالّ على السيطرة والسطوة والسلطة، والمرأة تعيش في كنفه وليست أمَتَهُ بمعنى الخادمة التي في هامش الحياة، فلم تكن القضية مَنْ يسيطر على مَنْ؟ ولا مَنْ يُلغي مَنْ؟
القضية في أنْ يحنوَ الكُلّ على جزئه، وأنْ يحتمي البعضُ بكُلّه.
وحين فطر الله تباركت أسماؤه الرجل ليكون قوّامًا، هذا يعني أنّه جعل المرأة إحدى مسؤولياته، لا إحدى ممتلكاته!.
وحين فطر المرأة لتعيش في كنف الرجل، فلأنّه فطره أوّلًا لأنْ يُحبّ رقتها، ويستعذب لجوئَها إليه، لجوءٌ أنثوي تمارس فيه المرأة فطرتها دون أنْ تشعر أنّها تُمتهن إنسانيتها.
إنّها الطريقة المتقنة التي أبدعها الله جلّ جلاله لتستمر الخليقة.
فالرجل حين يتصرّف على أساس أنّه يحمي امرأته ويعطف عليها، لا يشعر أنّه يتصدّق عليها بقدر ما يشعر أنّه يحقّق رجولته.
والمرأة حين تعيش رقيقة في كنف زوجها، لا تشعر أنّها تابعة، بقدر ما تشعر أنّها تحقّق أنوثتها.
وقد تضطر المرأة لأنْ تمارس بعض أدوار الرجل، ولكن لو كان الأمر إليها ما اختارت إلّا أنْ تكون في المكان والحال الذي خُلِقَت له.
الأنوثة ليست قيدًا بل فطرة ربّانيّة جميلة لطيفة تكمّل رجولة الرجل التي هي الأخرى فطرة ربّانيّة جميلة، وكلاهما مع بعض فطرة الله تعالى وسُنّته في خَلقه لتنشأ الأسرة قويّة سليمة نافعة تُعطي ثمارًا مؤهلة للتفاعل مع الشريعة والحياة لتستمر الأخيرة على وفق هدايات الرحمة والنور والصلاح.
وبعد هذه المقدّمة الضرورية لفهم حال الزوجين وعلاقتهما في هدايات الشريعة الغراء يمكن أنْ أذكر الواجبات العامة فللزوجة على زوجها حقوق مالية وغير مالية.
فالمالية: المهر، والسكن المستقل -إلّا إذا رضيت بالسكن مع والديه مثلا- والنفقة التي تشمل الطعام والشراب والكسوة والعلاج.
أمّا غير المالية: فهي العدل في القِسَمِ بين الزوجات إذا كان للرجل أكثر من زوجة، والمعاشرة بالمعروف، وعدم الإضرار بالزوجة بأيّ أنواع الضرر الجسدي والنفسي.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2404، 2734) وما أحيل فيهما من أجوبة في هذا الموقع المبارك.
أما حقوق الزوج على زوجته فهي:-
1- الطاعة بالمعرف، قال عزّ من قائل:-
{— فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ —} [سورة النساء: 34].
والقانتات أي الطائعات، ويدخل في ذلك عدم الخروج من البيت إلّا بإذن الزوج.
2- تمكين الزوج من الاستمتاع إذا لم تكن الزوجة معذورة بحيض أو نفاس أو مرض.
قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
بل ولا تصوم تطوّعًا إلّا بإذن زوجها كما سيأتي دليله في بيان الحقّ الثالث.
3- عدم الإذن لمَنْ يكره الزوج دخوله إلى داره.
قال حضرة النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-
(لاَ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلاَ تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ —) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
4- التأديب والنصيحة والموعظة الحسنة.
قال جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [سورة التحريم: 6].
5- صيانة عِرْض الزوج والمحافَظة على مالِه وولده.
قال الرحمة المهداة صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(— وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ —) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.
وهناك حقٌّ آخر يتعلّق بالزوج بعد وفاته ذلك هو إحداد الزوجة في عدَّة وفاة زوجها، فالاعتدادُ واجب على الزوجة في بيتها الذي كانَتْ تسكنه يوم تُوُفِّيَ زوجُها.
قال عليه أفضل الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) الإمام البخاري رحمه الله جلّ ذكره.
والإحدادُ مَظْهَرٌ مِنْ مَظاهِرِ الوفاءِ للزوج الميِّت، ويكون بترك الطِّيْب وأنواع الزينة وعدم الخروج لغير حاجة ملحّة.
ولمزيد من معرفة أحكام العدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (758، 1189، 1321) في هذا الموقع الكريم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وفّق الله سبحانه الأزواج والزوجات لمراعاة حقوق بعضهم على بعض، وأسأله جلّ وعلا أنْ يُصلح بيوتات المسلمين ويملئَها بالمحبّة والتفاهم والانسجام بجاه حضرة النبيّ الهمام صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه الكرام وسلّم تسليمًا كثيرًا ما ناحت على الأيك الحمام