29/1/2023
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على كلّ ما تقدّموه في موقعكم المبارك، وأرجو من حضرتكم أن تجيبوني عن سؤالي هذا:
لقد وردتني هذه المعلومة:-
(فائدة في سِرِّ الفاتحة للمشايخ عند قراءة الكتب.
قال الشيخ العلامة السيّد عبد الهادي نجا الأبياري رحمه الله تعالى:
(أدركتُ المشايخَ حالَ ابتدائهم قراءة كتبِ العلم، يقرؤون الفاتحةَ لأشياخهم، وكنتُ أظنّ أنّ ذلك لمجرد برّهم بعد موتهم، ومكافأة على تعليمهم. وما كنتُ أظنُّ أنّ له سِرّاً آخر حتى رأيت للفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: (وصلِّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم) سِرًّا لطيفًا لذلك.
وهو أنّ الأرواح الإنسانية إذا اتّصفت بالمعارف والأخلاق الفاضلة قويت، وقوي تعلّق بعضها ببعض، فتنعكس أنوار بعضها على بعض كالمرآة المشرقة المتقابلة مع غيرها.
فإذا قرأ الإنسان لأستاذه الفاتحة، ودعا له بالرحمة والرضا مثلا، ثمَّ شرع في القراءة، قوي التعلّق بين روحه وروح شيخه، فيناله شيءٌ مِنْ أنوار روح الشيخ وآثاره، ويفيض مِنْ نور روحه عليه، فتقوى روحه بمدد ذلك الفيض على إدراك المعارف والعلوم، وكذا إذا قرأ الفاتحة لسيّد الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وسلم)
سؤالي:-
هل هذه المعلومات ثابتة؟ وأين؟ وهل يمكن توضيح ما جاء فيها أكثر؟
مع جزيل شكري وامتناني.
الاسم: غزوان.
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
نعم هذه المعلومات ثابتة عن أصحابها، وراسخة في العمل الروحي الإسلامي المبني على هدايات الشرع الشريف.
المعلومة التي نقلها الإمام عبد الهادي نجا الأبياري الأزهري الشافعي المتوفى سنة (1305هـ)، مصدرها هو تفسير الإمام الكبير فخر الدين الرازي المسمّى (مفاتيح الغيب) رحمهما الله تعالى (16/138) طبعة دار إحياء التراث العربي.
وأمّا الكتاب الذي ورد فيه كلام الإمام الأبياري رحمه الله سبحانه فلم أقف عليه ولعلّه قد ذكره في كتابه (باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح).
وأمّا توضيح ما ورد في كلام هؤلاء الأعلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم فإنّ مَنْ تطهّرت روحه مِن كدرات الغفلة وسُقِل قلبه بأنوار ذكر الله عزّ وجلّ يألف هذه المعاني، ويستشعر في مرآة قلبه الصافية حلول تلك الفيوضات بأمر الله تعالى.
إنّ ما ورد نقله في سؤالكم الكريم ثابت في كلام أهل العلم رحمهم الله جلّ في علاه، وَلِفَهْمِهَا نحتاج لمقدمتين:-
الأولى: بيان مشروعية إهداء الثواب للميت، وإثبات استفادة الميت منها، وقد تمّ الجواب عنه في السؤال المرقم (2158) فأرجو مراجعته.
الثانية: التعرّف على أهمّ خصائص الروح وذلك بقراءة بعض كتب الإمام الغزالي ومنها (إحياء علوم الدين)، وكتاب الروح للشيخ ابن القيّم رحمهما الله جلّ في علاه، وكتاب (معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي) لسيّدي وسندي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشميّ طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، لاسيما الفصل الخامس عشر، الصفحات (273 – 313)، وبمراجعة السؤال المرقم (2683) في هذا الموقع الميمون.
وبعد هاتين المقدمتين أقول:-
إنّ ما يستبعده بعض الناس من أحوال الأرواح وخصائصها مبناه طغيان المادية في حياتهم، وبُعدهم عن مطالعة المفاهيم السامية في كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذا الجانب، والغفلة عن الحضور في مقامات الذاكرين، فهذه الأحوال لا يشهدها إلّا مَنْ هذّب نفسه وزكاها وطهّر روحه ونمّاها.
قال الله عزّ وجلّ:-
{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [سورة الشمس: 7-10].
وقال حضرة الحبيب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الطيب:-
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ —) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
ولهذا قيّد الإمام الرزي رحمه الله تعالى شهود هذه الأحوال بالاتصاف بالمعارف الحقيقة ونحوها من صفات الكمال حيث قال:-
(إِنَّ الْأَرْوَاحَ الْإِنْسَانِيَّةَ إِذَا اتَّصَفَتْ بِالْمَعَارِفِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَقَوِيَتْ وَتَجَرَّدَتْ، ثُمَّ قَوِيَ تَعَلُّقُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ انْعَكَسَ أَنْوَارُهَا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ) مفاتيح الغيب (16/138).
قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى:-
(أَمَّا الآثَارُ المَحْمُوْدَةُ الّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنَّهَا تَزِيْدُ مِرْآةَ القَلْبِ جَلَاءً وَإِشْرَاقًا وَنُوْرًا وَضِيَاءً حَتَّى يَتَلَأْلَأُ فِيْهِ جِلْيَةُ الحَقِّ وَيَنْكَشِفُ فِيْهِ حَقِيْقَةُ الأَمْرِ المَطْلُوْبِ فِي الدِّيْنِ … وَهَذَا القَلْبُ هُوَ الّذِي يَسْتَقِرُّ فِيْهِ الذِّكْرُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
وَأَمَّا الآثَارُ المَذْمُوْمَةُ فَإِنَّهَا مِثْلُ دُخَانٍ مُظْلِمٍ يَتَصَاعَدُ إِلَى مِرْآةِ القَلْبِ وَلَا يَزَالُ يَتَرَاكَمُ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ يَسْوَدَّ وَيُظْلِمَ وَيَصِيْرَ بِالكُلِّيَّةِ مَحْجُوْبًا عَنِ اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الطَّبْعُ، وَهُوَ الرَّيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}) إحياء علوم الدين (3/12).
ولتوضيح الأمر أكثر أقول:-
كلنا نرى في واقعنا اليوم ما منح الله جلّ وعلا الخلق من التقدّم والتطوّر في مجالات التواصل الإلكتروني فيشهد أحدنا أنّه يتّصل بمَنْ هو في أقصى الأرض في بضعة ثوانٍ، فيرى صورته ويسمع صوته وقد يتعلّم منه ويستفيد من خبرته ونحو ذلك من الأمور، مع أنّ هذه الوسائل من صنع الناس الضعفاء، فكيف بوسائل مدبّر الأرض والسماء جلّ جلاله.
قال عزّ من قائل:-
{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [سورة الزمر: 67].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى العظيم الجليل وسلمَّ، على النبيّ المعظّم والرسول المكرّم، وعلى آله وصحبه وشرّف وعظّم.