2020-11-29
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الجليل قدّس الله سرّه العزيز رضي الله عنه وأرضاه، الروح هل هي درجات من الله أم تعتمد على قوة الإرادة؟
من: سائل
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أدامكم الله سبحانه روافد لنشر ثقافة الروح في عالمنا الإسلامي، وجعلكم منارات هدى؛ لبسط منهج التزكية النبوية الشريفة؛ إنّه جلّ جلاله وعمّ نواله لا يردّ مَنْ دعاه، ولا يخيّب مَنْ رجاه.
لا يحصل شيء في هذا الكون إلّا بإرادة الله جلّ في علاه القائل:-
{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [سورة الإنسان: 30].
ولا تكون نعمة إلّا بفضله، قال المنعم تبارك اسمه:-
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ —} [سورة النحل: 53].
ولا تشع أنوار طاعة إلّا بتوفيقه، قال المنّان جلّ ذكره:-
{وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ —} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 88].
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله عزَّ وجلَّ:-
(أَجْمَعَ العَارِفُوْنَ بِاللهِ تَعَالَى أَنَّ التَّوْفِيْقَ هُوَ أَلَّا يَكِلكَ اللهُ سُبْحَانَهُ إِلَى نَفْسِكَ، وَأَنَّ الخُذْلَانَ هُوَ أَنْ يخلِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ) مدراج السالكين (1/423).
فالروح درجات عند الله تبارك اسمه بحسب مراتب قربها من ربّها تقدّست ذاته، قال العزيز الحكيم جلّت صفاته:-
{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 162- 163].
وقال العظيم جلّ ثناؤه:-
{أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة الجاثية: 21].
ومِن فضل الله على بني البشر أنْ وهبهم الإرادةُ، وهي واحدةٌ من أجَلِّ النِّعَمِ التي مَنّ اللهُ جلّ وعلا بها على الإنسان، فهي القوّةُ الخفيّةُ التي تفصِلُ في مصيرِ المرء إزاء العديدِ من القضايا الحسّاسةِ الّتي تنفعُهُ أو تضرّه، قال واسع العطاء تباركت ذاته مشيرًا إلى تلك النعمة:-
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [سورة الإسراء: 18-21].
وقال جلّ وعلا:-
{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [سورة الفرقان: 62].
فالإرادة القوية والعزيمة هي التي تميّز صفوة البشر وتعطي الأفضلية لبعضهم على بعض، وكلّما ازددت ثقة وقوّة أصبحتْ إرادتك أكثر فعالية وقمت بإنجاز أشياء أكثر صعوبة وتحدّيًا، ولكن هذا لا يتمّ إلا بتيسير الله عزّ شأنه لك لعلمه بصدق توجهك.
نعم، قد يختار ربّنا جلّت عظمته بعضًا من عباده بمحض الفضل، إذ هو الخالق المالك المتصرّف في ملكه، قال تعالت قدرته:-
{لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 23].
وقال:-
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [سورة البقرة: 269].
وقال:-
{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 74].
لكن حتى هذا الاختيار يكون لعلمه بمؤهلات هذا الإنسان، فيؤهله لِما كتب له عنده من الكرامة والفضل، كما قيل:-
(مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلِيٍّ جَاهِلٍ، وَلَوْ اتَّخَذَهُ لَعَلَّمَهُ) الفتاوى الحديثية للإمام ابن حجر الهيتمي رحمه ربنا العلي (1/272).
إذن: الأصل الذي اقتضته حكمته وعدله أنّ المرء مسؤول عن نفسه، وأنّ عطاء ربّه سبحانه له على حسب قوّة توجّهه نحو مرضاته.
قال الملك الحقّ عزّ جاره:-
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا —} [سورة العنكبوت: 69].
ولعلّ من النافع أنْ أبيّن معنى مصطلحين يكثر ذكرهما عند البعض، وهما:-
أ- المريد.
ب- المراد.
فالأوّل يشير إلى دور الإرادة في السير إلى الله تبارك وتعالى.
والثاني يشير إلى أثر الفضل الإلهي في ذلك السير.
قال الإمام القشيري عليه الرحمة والرضوان من الرحيم الرحمن عزّ اسمه:-
(فأمّا الفرق بين المريد والمراد: فكلُّ مريد على الحقيقة مراد، إذ لو لم يكن مراد الله تعالى بأن يريده لم يكن مريداً؛ إذ لا يكون إلا ما أراده الله تعالى، وكل مرادٍ مريد؛ لأنّه إذا أراده الحقُّ سبحانه بخصوصية وفقه للإرادة، ولكن القوم فرقوا بين المريد والمراد: فالمريد عندهم هو المبتدىء، والمراد: هو المنتهي) الرسالة القشيرية (1/93).
فما على المسلم إلّا أنْ يوجّه روحه تجاه ما أمر به الشرع الشريف قاصدا فضل الله تقدّست أسماؤه وتيسيره، فعَنْ سيدنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِي جَنَازَةٍ، فَأَخَذَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَعُ العَمَلَ؟ قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [سورة الليل: ٥ ـ ٦]) الإمام البخاري رحمه الله جلّ شأنه.
فهذه النصوص المباركة يجب فهمها مجتمعة، ولا يجوز انتقاء بعضها والاستدلال بها بمعزل عن مثيلاتها، فالإنسان مكلّف وله إرادة في دائرة التكليف يجب عليه أنْ يصرفها إلى مسالك التقوى، فهنالك فضل من المولى سبحانه ينبغي التطلّع له.
ولزيادة الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (168، 1399، 2403) في هذا الموقع الميمون.
والله تعالى العليم بالقلوب وإراداتها أعلم.
وصلّ اللهمّ على فاتح باب العلم وعين اليقين سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.