8/4/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أسأل الله تعالى أنْ يجزيكم خير الجزاء، ويجعلنا وإيّاكم من أهل الجنة أجمعين…

سؤالي:- تقدّم شاب لخطبتي من أقاربنا وأنا لا أعلم عنه شيئا لكن تمّ الرفض من قبل الوالدة ولأسباب عدّة ولاسيما من أهمّها أنّ والدة الشاب تعمل في الربا لكن القرار عائد لي هل يمكن أن يكون زواجي منه هو طريق لإصلاحهم والله يهدي مَنْ يشاء، وأنا محتارة في أمري، أرشدني لشيء أقوم بفعله، وأنا من السالكات. 

اللهمّ صلّ على سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

 

الاسم: سائلة

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.

الجواب باختصار:-

لا ينبغي التسرّع في قبول الخاطب أو رفضه بل يجب التأني والمشورة، وأنْ يقوم الرجال في العائلة بالتحرّي والسؤال لأنهم أكثر معرفة بالناس.

وفي شريعتنا الغرّاء مقوّمات لقبول أو رفض الخاطب سأحيلك عليها في تفصيل الجواب إن شاء الله تعالى.

التفصيل:-

الزواج آية من آيات الله جلّ جلاله القائل:-

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].

وفيه منافع عديدة أَسْهَبْتُ في ذكرها؛ فأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2696) في هذا الموقع المبارك.

أمّا قبول الخاطب أو رفضه فينبغي فيه مراعاة الأمور الآتية:-

١- عدم التسرّع في القبول أو الرفض ففي العجلة الندامة، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه لِسَيِّدِنَا الْأَشَجِّ أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقد قيل:-

(فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةُ، وَفِي العَجَلَةِ النَّدَامَةُ)

 

٢- استشارة أهل الفضل من العلماء والفضلاء، قال عزّ من قائل:-

{— وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ —} [سورة الشورى: 38].

وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ في علاه.

ومعنى قوله (وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ): (أَي مَا افْتَقَرَ مَنِ اسْتَعْمَلَ الْقَصْدَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى عِيَالِهِ) التيسير بشرح الجامع الصغير (2/348).

 

٣- صلاة الاستخارة، فَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-

(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ، يَقُولُ: إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي – أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ – فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

 

٤- التحرّي عن الخاطب من قبل أولياء المرأة من الرجال.

٥- اعتماد هدايات الشرع الشريف في القبول أو الرفض.

 

إنّ الشرع الشريف حضّ على تزويج الرجل ذي الدِّين والخُلق الحسن؛ قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

وقال رجل لسيّدنا الحسن رضي الله تعالى عنه:-

(قَدْ خَطَبَ ابْنَتِي جَمَاعَةٌ فَمَنْ أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ، فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا، وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رحمه الله جل جلاله (2/41).

فإذا تبيّن أنّ الخاطب حسن الأخلاق، كاسبٌ بالحلال فلا ينبغي رفضه، ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2509) في هذا الموقع الميمون.

أمّا رفض الخاطب استنادًا على عمل والدته في الربا فينبغي النظر فيه؛ فقد يكون هذا الأمر مبنيًّا على الظنّ أصلًا أو أنّ هناك شبهةً في الموضوع.

وفقكِ الله جلّ وعلا، وسدّد خطاكِ، ويسّر أمركِ لما في سعادتكِ في الدنيا والآخرة.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.