11/5/2023
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته حضرة الشيخ، كيف حالكم، أسأل الله تعالى لكم دوام الصحة والعافية، وحفظكم الله تعالى، ونفع بكم الأمة، ورمضان كريم عليكم، وتقبّل الله منّا ومنكم الصيام والقيام.
سؤالي هو:-
عن حديث النبيّ صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلّم عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه أنّه قال:-
كان الناس يسألون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أنْ يدركني، فقلت: يا سول الله إنّا كنّا في جاهلية وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دخنٌ، قلت: وما دخنه؟ قال: قومٌ يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتُنكر، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، مَنْ أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: صفهم لنا، قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتناـ قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإنْ لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أنْ تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك) رواه البخاري ومسلم، والترمذي.
ما هذه الفرق التي قال عنها النبيّ صلّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلّم لأنّه ربما هناك مَنْ لم يتشرّف بالسلوك بحجّة أنّه لا ينضم لفرقة ومن هذا القبيل
الاسم: سائل
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
الفِرق المعنية في الحديث الشريف تلك التي خالفت في أصول الدّين وكلّياته وقطعياته، وغيّرت ما كان عليه حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وأصحابه.
والسلوك لا علاقة له بهذا الموضوع لأنّه من أصول الدّين الحنيف.
قال الله جلّ في علاه:-
{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [سورة الشورى: 13].
في الآية الكريمة نهيٌ عن الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ في الدِّين أي في أصوله وكلّياته التي تغيّر مساره وتجعل الناس شيعًا؛ قال عزّ من قائل:-
{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [سورة الأنعام: 159].
فمَنْ غيّر وبدّل في أصول الدّين وما جاء به حضرة النبيّ الأمين عليه الصلاة والتسليم أجمعين كان فرقة من تلك الفرق التي جاء ذكرها في الحديث الشريف الذي حوى هذا التفسير بقوله الكريم:-
(قَوْمٌ يَهْدُوْنَ بِغَيْرِ هَدْيِّي).
فهؤلاء ينبغي تركهم والاعتزال عنهم في الاتباع والموالاة لا في النصيحة والدعوة إنْ تيسّر ذلك، فالكلّ مادة للدعوة إلى الله جلّ في علاه، ينبغي السعي بصدق وإخلاص لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
أمّا مَنْ سواهم فهم السواد الأعظم من أمّة الحبيب المحبوب عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أتقياء القلوب، كما وصفهم حضرته في حديثه الشريف:-
(مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
وفي رواية أخرى:-
(قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْجَمَاعَةُ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.
وإليك وصف أهل الجماعة، السواد الأعظم:-
(أَمَّا أَهْلُ الجَمَاعَةِ فَهُم الكَثْرَةُ الكَاثِرَةُ وَالسَّوَادُ الأَعْظَمُ مِنَ المُسْلِمِيْنَ مُتَوَزِّعِيْنَ فِي أَقْطَارِ العَالَمِ الإِسْلَامِيّ كُلّهَا، وَمِنْهُم مَنْ هُمْ فِي دُوَلٍ غَيْرِ إِسْلَامِيَّةٍ.
هُم الأَكْثَرِيَّةُ السَّاحِقَةُ كَمَا يُقَالُ فِي اللَّغَةِ الدَّارِجَةِ، وَهُم المُتَّصِفُوْنَ بِالخِصَالِ وَالسَّجَايَا الدِّيْنِيَّةِ التَّالِي بَيَانُهَا:-
١- التَّوَسُّطُ فِي الأُمُوْرِ غَالِبًا دُوْنَ إِفْرَاطٍ وَتَفْرِيْطٍ.
٢- تَجَنُّبُ تَكْفِيْرِ أَهْلِ القِبْلَةِ بِسَبِبِ اخْتِلَافِ المَذَاهِبِ وَالآرَاءِ الفِقْهِيَّةِ مَا دَامَ المُخْتَلِفُوْنَ مُؤْمِنِيْنَ بِأَسَاسِ عَقِيْدَةِ الإِسْلَامِ.
٣- عِبَادَةُ اللهِ خَالِصَةً وَمَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ رَسُوْلِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ.
٤- تَوْقِيْرُ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ وَاحْتِرَامِ التَّابِعِيْنَ وَعُلَمَاءِ الأَمْصَارِ وَالأَئِمَّةِ المُجْتَهِدِيْنَ.
٥- الاعْتِرَافُ بِالرُّوْحِ وَقِوَاهُ وَبِعَمَلِ الرُّوْحِ عِنْدَ الرَّوْحَانِيِّيْنَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيْنَ.
وَقَدْ فَازَ أَهْلُ الجَمَاعَةِ بِمَا خصَّ بِهِ السَّوَادُ الأَعْظَمُ مِنَ العِصْمَةِ عَنِ الضَّلَالَةِ فَضْلًا مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَرَحْمَةً) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لحضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه (ص125- 126) بتصرّف.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (266) في هذا الموقع الميمون.
إنّ العمل الروحي الإسلامي مِن أسس وأصول ديننا الحنيف، وسمات أهل الإسلام، فبه يدخل المسلم دائرة الإحسان، ويتحقق عنده الإسلام والإيمان، ولمزيد فائدة وبيان أرجو مراجعة باب الذكر والتزكية والسلوك في هذا الموقع المبارك.
ولا شك أنّ الشيطان والنفس الأمّارة بالسوء يضعان أمام المسلم العوائق ويبثّون في نفسه الشكوك والوساوس ليصرفوه عن معالي الأمور؛ فالتزكية طريق التحرّر من قيودهما واتباع أهوائهما، ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1816) في هذا الموقع الكريم.
وقد يكون الخوف مِنْ ترك سلوك طريق الإحسان ومنهج التزكية النبوية الشريفة ردّة فعل لدعوة وعَرض للمنهج غير موفق فأنتج هذا المفهوم والاعتقاد الخاطئ بأنّ السلوك ينضوي تحت مفهوم الفرق الوارد ذكرها في الحديث الشريف أعلاه، وإلّا فالعمل الروحي الإسلامي دعوة لتفعيل طاقة الروح والتعرّض لمصادر النور، وهي سمة هذا الدّين وغايته المباركة، قال الله جلّ جلاله:-
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سورة الشورى: 52].
فعلى الداعية الواعي أنْ يكون فطنًا، يعرض منهجه بحكمة وتروّي، ويتعامل مع تلك الشبهات والعوائق بما يُناسبها من خطوات مدروسة؛ فإنّ مِنْ أُسُسِ الدعوة الناجحة مخاطبة المدعو على قدر استيعابه، ومدى استعداده، فلا تدفعك الحماسة فتتعجّل، وتحرق مراحل دعوتك بل تمهّل، فربَّ كلمةٍ فوق إدراك المُتلقّي، تنتج شُكوكًا وصدودًا وتوليًّا؛ فأتقنْ الصنعةَ يا رفيق، وَكُنْ داعيةً لا قاطعَ طريق.
قال عزّ من قائل:-
{الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام: 1 – 3].
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على خير داعية ومعلّم سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.