7/7/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

سيّدي الكريم نسأل الله تعالى أن تكون بخير وعافية، وأنْ يحفظك الله تعالى لنا وللجميع.

عفوًا سيّدي خادمك تبادر إلى ذهني أنّه كان في عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أذان واحد للجمعة، والفجر على أذانين، والآن الجمعة على أذانين والفجر على أذان واحد، بما أنّ التغيّر بخصوص الجمعة كان عن طريق مصدر تشريعي (سيّدنا عثمان رضي اللّه تعالى عنه وعنا ببركته) فما هو الضابط الشرعي الذي حوّل الفجر إلى أذان واحد؟ وفي أيّ فترة زمنية رفع الأذان الأوّل؟

شكرًا جزيلًا سيّدي الكريم.

 

الاسم: عبد الله كاظم العزاوي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله سبحانه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

الأذان هو إعلام بدخول وقت الصلاة، وشرّع في الجمعة لحاجة النّاس إليه لينتبهوا إلى فريضة الجمعة (الحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُوْرَةِ).

والضابط الشرعيّ لجعل أذان الفجر واحدًا بعد أنْ كان أذانين هو انتفاء الحاجة والمصلحة.

التفصيل:-

لقد جوّز بعض الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنْ يكون للفجر أذانان:-

الأوّل:- لإيقاظ النائم، وتنبيه الصائم، ورد القائم، والاستعداد للصلاة، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ – أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ – أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ – أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ – لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

والثاني:- لدخول الوقت، قال حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(‏إِنَّ ‏بِلَالًا‏ ‏يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ‏ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) متفق عليه.

والشروط التي وضعها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم لجعل أذانين في الفجر كانت تتناسب مع عصرهم، إذ المدن صغيرة غير مترامية الأطراف، وأعداد الناس قليلة، والمصلحة متحققة، والحاجة ملحّة إذ لم تكن في زمنهم منبّهات توقظ النائم لأداء هذه الصلاة العظيمة.

أمّا الآن فلا، فالمدن أصحبت كبيرة والمساجد فيها كثيرة وقريبة من بعضها، فبعضها يؤذّن أذانين، والبعض الآخر يؤذّن أذانا واحدا، وبالتالي سيؤدي ذلك إلى اللبس على الناس وإيقاعهم في الحرج الذي رفعه الله جلّ وعلا عن العباد بقوله عزّ شأنه:-

{— وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ —} [سورة الحج: 78].

وقال حضرة النبيّ الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

أي الأعمال المائلة عن الباطل والتي لا حرج فيها ولا تضييق.

قال السّادة الحنفية ومَنْ وافقهم رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله:-

(وَلَا يُؤَذَّنُ لِصَلَاةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِالْوَقْتِ، وَفِي ذَلِكَ تَضْلِيلٌ) مجمع الأنهر شرح ملتقى الابحر (1/75).

وقال السّادة الشافعية ومَنْ وافقهم رحمهم الله سبحانه:-

(وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ قَدْ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِالأَذَانِ لَهَا بَعْدَ طُلُوْعِ الفَجْرِ لَمْ يَسع أَحَدًا أَنْ يُؤَذّنَ لَهَا فِي ذَلِكَ البَلَدِ قَبْلَ طُلُوْعِ الفَجْرِ؛ لِئَلَّا يَغَرَّهُمْ بِأَذَانِهِ) البيان في مذهب الإمام الشافعي (2/62).

وبالتالي لا أرى مصلحة أو حاجة ليكون للفجر أذانان حتى لا يقع الناس في لبس، وللقاعدة التي تقول:-

(الاحْتِيَاطُ فِي بَابِ العِبَادَاتِ وَاجِبٌ) القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة (1/599).

والأمر إذا اتّسع فأدّى إلى الإرباك ضاق عملا بالقاعدة التي تقول:-

(الأَمْرُ إِذَا اتَّسَعَ ضَاقَ) الأشباه والنظائر للإمام السيوطي رحمه الله تعالى (1/83).

أمّا بالنسبة إلى الأذان الأوّل في الجمعة فقد شرع في زمن سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه لتنبيه الناس لفريضة الجمعة وحثّهم للتبكير إليها، فقد روى الحافظ ابن كثير في تفسيره عن مَكْحُولٍ رحمهما الله جلّ وعلا:-

(أَنَّ النِّدَاءَ كَانَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُؤَذَّنٌ وَاحِدٌ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، ثُمَّ تُقَامُ الصَّلَاةُ، وَذَلِكَ النِّدَاءُ الَّذِي يَحْرُمُ عِنْدَهُ البَيْعُ وَالشِّرَاءُ إِذَا نُودِيَ بِهِ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُنَادَى قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ) تفسير القرآن العظيم (8/122).

والقاعدة الفقهية تقول:-

(الحَاجَةُ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الضَّرُوْرَةِ) القواعد الفقهية وتطبيقاتها على المذاهب الأربعة (1/288).

ولقد فصّلت القول وبسطتّ الأدلة في جواب السؤالين المرقمين (2029، 2643)

في هذا الموقع الكريم، فأرجو مراجعتهما.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والجود.