16/7/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ وعلا أنْ يحفظكم سيّدي الغالي، وأنْ يديمكم ذخرًا لنا.

أنا مقيم في دولة أوربية وإذا خرجت خارج البيت من الصعب جدًّا أنْ أجد مكانًا أتوضّأ فيه أو أصلّي فيه، لذا أضطر للجمع في الصلوات أحيانا. لكن في بعض الأحيان أرجع للبيت وهناك وقت حتى يخرج وقت الصلاة، فهل أعيد الصلاة أم أكتفي بما صليت عند الجمع.

جزاكم الله تعالى خير الجزاء ورضي عنكم وأرضاكم.

 

الاسم: ا.م.و

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على تواصلك مع هذا الموقع المبارك، وحرصك على معرفة أمور دينك وأداء ما فرض عليك في هذه البلاد، وأسأله سبحانه أنْ تكون من الداعين إلى الإسلام بأفعالك وأقوالك.

الجواب باختصار:-

يجوز للمقيم أنْ يتيمّم إذا فقد الماء أو تعذّر استعماله، والأفضل أنْ تخرج من بيتك على طهارة تامّة إنْ غلب على ظنّك عدم وجود مكان مخصّص للوضوء، وكذلك يجوز لك الجمع بين الصلوات دفعًا للحرج والمشقة.

التفصيل:-

الأولى أنْ يخرج المسلم من بيته على طهارة كاملة سواء كان في بلده أو خارجه لأنّ المحافظة على الوضوء من الإيمان، قال حضرة خير الأنام عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن جلّ جلاله.

وهذه الأولوية تكون على وجه آكد في البلدان غير الإسلامية، ليظهر المسلم اعتزازه بدينه وشريعته.

وعليه عند خروجه من البيت أنْ يسأل ربّه جلّ وعلا ليبقى على طهارة حتى يؤدي صلاته دون الحاجة إلى إعادة الوضوء، لعلّ الله سبحانه أنْ يطلع على صدق نيّته وتوجّهه فيحفظه ويوفّقه.

وإنْ انتقض وضوؤه فعليه أنْ يبحث عن مكان لإعادته، والذي أعرفه أنّ الكثير من البلدان الأوربية فيها عدد لا بأس به من المساجد، وهي في تزايد بفضل الله جلّ في علاه، بسبب تواجد المسلمين فيها وارتفاع نسبة الداخلين في الإسلام.

فإنْ تعذّر أنْ تجد مسجدا لتتوضأ فيه فلا أرى بأسا من وضوئك في الأماكن العامّة -إنْ لم يكن ذلك ممنوعا- فإنّ رؤية غيرك لكَ وأنتَ تتوضأ سبيلٌ من سُبُل الدعوة لهذا الدين العظيم، ومَنْ يدري فقد يهدي الله تعالى به مَنْ شاء من عباده، قال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(فَوَاللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وقد تكلّم الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم عمّن فقد الماء للوضوء هل يجوز له التيمّم أم لا.

أوَّلًا:- مذهب السادة الحنفية رحمهم الله عزّ وجلّ:-

(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَا يَجِدِ المَاءَ وَهُوَ يَرْجُوْ أَنْ يَجِدَهُ فِي آخِرِ الوَقْتِ أَنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إِلَى آخِرِ الوَقْتِ فَإِنْ وَجَدَ المَاءَ تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى، وَإِلَّا تَيَمَّمَ) اللباب في شرح الكتاب (1/33).

ثانيًا:- مذهب السادة المالكية رحمهم الله جلّ ذكره:-

(مَنْ يَجُوْزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مِنَ المُحْدِثِيْنَ وَشُرُوْطُ جَوَازِهِ وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ وَمَا يُتَيَمَّمُ بِهِ وَالصَّلَوَاتُ الّتِي يُتَيَمَّمُ لَهَا وَتُؤَدِّي بِه.

فَأمَّا مَنْ يَجُوْزُ لَهُ التَّيَمُّمُ فَكُلُّ مُحْدِثٍ حَدَثًا أَعْلَى أَوْ أَدْنَى مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الوُضُوْءُ أَو الغُسْلُ.

وَأَمَّا شُرُوْطُ جَوَازِهِ فَشَرْطَانِ: عَدَمُ المَاءِ الَذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ أَوْ عَدَمُ بَعْضِهِ فَإِنْ وَجَدَ دُوْنَ الكِفَايَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ اسْتِعْمَالُهُ، وَالشَّرْطُ الآخَرُ تَعَذُّرُ اسْتِعْمَالِ المَاءِ مَعَ وُجُوْدِهِ.

وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرُوْطٍ مِنْهَا مَا يَعُمُّ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ، فَأَمَّا مَا يَعُمُّ فَهُوَ أَنْ يَكُوْنَ مُحْتَاجًا إِلَى التَّيَمُّمِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْخُلَ الوَقْتُ وَيَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ فَرْضُ الصَّلَاةِ فَإِنْ قَدَّمَهُ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يُجْزِئُهُ.

وَأَمَّا مَا يَخُصُّ فَهُوَ عَادِمُ المَاءِ لَا يَجُوْزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بَعْدَ طَلَبِ المَاءِ “وَاعْوَازِهِ” وَإِنْ وَجَدَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ أَوْ غَالِبًا غَيْر “مُتَفَاحِشٍ” لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إِلَّا أَنْ “يجْحَفَ بِهِ”) التلقين في الفقه المالكي (1/29).

ثالثًا:- مذهب السادة الشافعية رحمهم المولى جلّ وعلا:-

(وَلَا يَجُوْزُ لِعَادِمِ المَاءِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إِلَّا بَعْدَ الطَّلَبِ، وَلِأَنَّهُ بَدَلٌ أُجِيْزَ عِنْدَ عَدَمِ المُبْدَلِ فَلَا يَجُوْزُ فِعْلُهُ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوْتِ العَدَمِ كَالصَّوْمِ فِي الكَفَّارَةِ لَا يَفْعَلُهُ حَتَّى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ وَلَا يَصِحُّ الطَّلَبُ إِلَّا بَعْدَ دُخُوْلِ الوَقْتِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَطْلُبُ لِيَثْبُتَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ وَهُوَ عَدَمُ المَاءِ فَلَمْ يَجُزْ فِي وَقْتٍ لَا يَجُوْزُ فِيْهِ فِعْلُ التَّيَمُّمِ، وَالطَّلَبُ أَنْ يَنْظُرَ عَنْ يَمِيْنِهِ وَشِمَالِهِ وَأَمَامِهِ وَوَرَاءِهِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَائِلٌ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِهِ صَعَدَهُ وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ رَفِيْقٌ سَأَلَهُ عَنِ المَاءِ) المجموع للإمام النووي رحمه الله تعالى (2/248).

رابعًا:- مذهب السادة الحنابلة رحمهم الله سبحانه:-

(وَلَهُ شُرُوْطٌ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: العَجْزُ عَنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، إِمَّا لِعَدَمِهِ أَوْ لِخَوْفِ الضَّرِرِ مِنِ اسْتِعْمَال لِمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ شَدِيْدٍ) العُدَّة شرح العُمْدة ص48.

إمّا فيما يخصّ جمع الصلوات فالسادة الفقهاء رحمهم ربّ الأرض والسماء لهم أقوال عدّة فيها أذكر منها:-

فمذهب السادة الحنفية رحمهم الله تعالى:-

(وَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا فِي حَضَرٍ وَلَا فِي سَفَرٍ إِلَّا عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ، فَإِنَّ الحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَ الظُهْرِ وَالعَصْرِ بِعَرَفَات فِي وَقْتِ الظُهْرِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي وَقْتِ العِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ) المحيط البرهاني في الفقه النعماني (1/276).

ومذهب السادة المالكية رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله:-

(قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الظُهْرِ وَالعَصْرِ فِي الحَضَرِ وَلَا نَرَى ذَلِكَ مِثْلَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ) المدونة (1/203).

ومذهب السادة الشافعية رحمهم المولى تبارك في علاه:-

(يَجُوْزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُهْرِ وَالعَصْرِ فِي وَقْتِ إِحْدَاهُمَا، وَبَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي وَقْتٍ إِحْدَاهُمَا، فِي السَّفَرِ الطَّوِيْلٍ …) البيان في مذهب الإمام الشافعي (2/486).

ويتبيّن ممّا ذُكِر من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى أنّهم جعلوا أسبابَا للجمع بين الصلوات.

وأوسع المذاهب في الجمع مذهب الإمام أحمد رحمه الله جلّ في علاه كما ذكر ذلك الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية في مجموع الفتاوى الكبرى فقال:-

(وَأَوْسَعُ الْمَذَاهِبِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ لِلْحَرَجِ وَالشُّغْلِ بِحَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَعْنِي إذَا كَانَ هُنَاكَ شُغْلٌ يُبِيحُ لَهُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ …) الفتاوى الكبرى (2/349).

وأجاز الإمام البهوتي رحمه الباري سبحانه الجمع فقال:-

(لِمَنْ لَهُ شُغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ تَضَرُّرٍ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا بِتَرْكِ الْجَمْعِ وَنَحْوِهِ) كشاف القناع عن متن الإقناع (2/6).

مستدلين بحديث سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-

(جَمَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، فِي غَيْرِ خَوْفٍ، وَلَا مَطَرٍ، فِي حَدِيثِ وَكِيعٍ: قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: كَيْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا أَرَادَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وقال الإمام النووي رحمه المولى تبارك اسمه في شرح هذا الحديث:-

(وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فِي الْحَضَرِ لِلْحَاجَةِ لِمَنْ لا يتخذه عادة وهو قول بن سِيرِينَ وَأَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ وَالشَّاشِيُّ الْكَبِيرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الحَدِيْثِ وَاخْتَارَهُ بْنُ المُنْذِرِ وَيُؤَيِّدُهُ ظَاهِرُ قَوْلِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ، فَلَمْ يُعَلِّلْهُ بِمَرَضٍ وَلَا غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ) شرح النووي على مسلم (5/219).

والذي أراه من خلال سؤالك أنّه بإمكانك أنْ تؤدي صلاتك في أغلب الأوقات بوقتها فلا يجوز لك الجمع على رأي بعض الفقهاء رحمهم الله سبحانه لأنّك حينما تؤدّي صلاتك أمام غير المسلمين فهي أيضًا بيان لشرائع الإسلام، فإنْ كان هنالك حرج ومشقة وغلب على ظنّك فوات وقت الصلاة فيجوز لك الجمع في ذلك على رأي بعض الفقهاء رحمهم ربّ الأرض والسماء.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمة (42، 387) في هذا الموقع الميمون.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا النبيّ المكرّم وعلى آله وصحبه وسلّم.