2023-09-06
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل تجوز قراءة القرآن الكريم على القبر؟
الاسم: حسين علي فرحان
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله سبحانه لكم السداد والتوفيق.
لا مانع من قراءة القرآن الكريم على القبر؛ لعدم ورود المنع من ذلك؛ ولأنّ الأموات يسمعونها فيستأنسون.
وهي مشروعة على الإطلاق في الإسلام بغضّ النظر عن مكانها وزمانها ما لم يرد نهي عن ذلك.
جاء الأمر الشرعي بقراءة القرآن الكريم مطلقًا، وهذا الإطلاق لا يجوز تقييده إلّا بدليل، وهي مشروعة عند القبر قبل الدفن وأثناءه وبعده؛ لعموم النصوص الدّالة على ذلك، ومنها:-
عَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:ـ
(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ عِنْدَ رَأْسِهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَبْرِهِ) الإمامان الطبراني والبيهقي رحمهما الله جلّ جلاله.
وعَنْ سَيِّدِنَا مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رضي الله تعالى عنه، أَنَّ سَيّدَنا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ قَالَ:-
(اقْرَءُوا يَس عَلَى مَوْتَاكُمْ) الإمام أبو داود رحمه الودود تقدّست أسماؤه.
وقال:ـ
(مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ) الإمام القرطبي رحمه الله جلّ ثناؤه في التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 286).
وممّا استدلّ به العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على جواز قراءة القرآن الكريم عند قبر الميت المسلم وانتفاعه بالقراءة، مَا ورد عَن سَيِّدِنا عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله سبحانه عنهما، قَالَ:-
(مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، قَالَ فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
ويُستفاد من هذا الحديث الشريف جواز غرس الأشجار وقراءة القرآن الكريم على قبور المسلمين، وإذا خفّف عنهم بالأشجار فكيف بقراءة الرجل المؤمن، وإذا وصل النفع إلى الميت بتسبيحهما حال رطوبتهما، فانتفاع الميت بقراءة القرآن الكريم عند قبره أولى.
قال الإمام النووي رحمه الله عزّ شأنه ما نصّه:ـ
(وَاسْتَحَبَّ الْعُلَمَاءُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عِنْدَ الْقَبْرِ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ يُرْجَى التَّخْفِيفُ بِتَسْبِيحِ الْجَرِيدِ فَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ أَوْلَى) شرح صحيح مسلم (3/202).
فإنّ قراءة القرآن الكريم من المسلم أعظم وأنفع من التسبيح مِنْ عُوْدٍ، وقد نفع القرآن العظيم بعضَ مَنْ حصل له ضرر في حال الحياة، فالميت كذلك.
قال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:ـ
(وَرَوِيْنا فِي سُنَنِ البَيْهَقِيْ بِإِسْنادٍ حَسَنٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتُهَا) الأذكار ص 173.
وإليك ما قاله أصحاب المذاهب الأربعة في هذه المسألة:-
1- السادة الحنفية رحمهم الله جلّ في علاه:-
قال الإمامُ ابنُ عابدين رحمه الله عزّ شأنه:ـ
((قَوْلُهُ وَيَقْرَأُ يس) لِمَا وَرَدَ «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ سُورَةَ يس خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِ مَنْ فِيهَا حَسَنَاتٌ». وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَيَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ الْفَاتِحَةِ وَأَوَّلِ الْبَقَرَةِ إلَى الْمُفْلِحُونَ وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ – وَآمَنَ الرَّسُولُ – وَسُورَةِ يس وَتَبَارَكَ الْمُلْكُ وَسُورَةِ التَّكَاثُرِ وَالْإِخْلَاصِ اثْنَيْ عَشَرَ مَرَّةً أَوْ إحْدَى عَشَرَ أَوْ سَبْعًا أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا قَرَأْنَاهُ إلَى فُلَانٍ أَوْ إلَيْهِمْ) رد المحتار على الدر المختار (2/343).
2- السادة المالكية رحمهم الله سبحانه:-
قال بعضهم بكراهة القراءة على القبر، لكن الشيخ الدردير رحمه الله تعالى، قال:ـ
(الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَجَعْلِ ثَوَابِهِ لِلْمَيِّتِ وَيَحْصُلُ لَهُ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الصَّالِحِينَ) الشرح الكبير (1/423).
وقال الإمام القرافي رحمه الله عزّ وجلّ:ـ
(وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِي التَّذْكِرَةِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِالْقِرَاءَةِ قُرِئَتْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي بِلَادٍ إلَى بِلَادٍ وَوُهِبَ الثَّوَابُ) أنوار البروق في أنواء الفروق (3/233).
وقوله (أو في بلاد إلى بلاد وَوُهِبَ الثَّوَابُ) أي أنّ أجر القراءة يصل إلى الميت سواء كان القارئ واقفا عند القبر، أو في بيته، أو كان في بلد والميت في بلد آخر، وهذا من فضل الله جلّ جلاله على الأمّة وجزيل عطائه سبحانه.
ونقل الإمام القرطبي عن الإمام الخرائطي رحمهما الله تعالى، قال:ـ
(سُنَّة فِي الْأَنْصَارِ إِذَا حَمَلُوْا الْمَيتِ أَنْ يَقْرَأُوْا مَعَهُ سُوْرَةَ الْبَقَرَةِ) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ص292.
3- السادة الشافعية رحمهم الله جلّ جلاله:-
قال الإمام النووي رحمه الله الكريم المنّان في باب ما يقول بعد الدفن، قال:ـ
(قَالَ الشًّافِعيُّ وَالأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَءُوْا عِنْدَهُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ، قَالُوْا فَإِنْ خَتَمُوْا القُرْآنَ كُلَّهُ كَانَ حَسَنًا) الأذكار ص 173.
وقال أيضا:ـ
(وَيُسْتَحَبُّ ـ أيْ لِزَائِرِ القُبُورِـ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ مَا تَيَسَّرَ وَيَدْعُوَ لَهُمْ عَقِبَهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ) المجموع شرح المهذب (5/311).
4- السادة الحنابلة رحمهم الله عزّ وجلّ:-
قال الإمام محمد بن أحمد المزوروذي أحد تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل رحمهما الله جلّ في علاه ما نصّه:ـ
(سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُوْلٍ: إِذَا دَخَلْتُم الْمَقَابِر فَاقْرَءُوْا آيَةَ الْكُرْسِيّ وَ (قُلْ هُوَ اللهَ أَحَدٌ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قُوْلُوْا: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَضْلَهُ لِأَهْلِ الْمَقَابِر) كتاب المقصد الأرشد (2/338 – 339).
وقال الإمام الفقيه برهان الدين بن مفلح رحمه الله جلّ ذكره:ـ
((وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ) وَفِي الْمَقْبَرَةِ (فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا (يس) خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ لَهُ بِقَدْرِهِمْ حَسَنَاتٌ، وَصَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنِ الْكَرَاهَةِ، قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَصْلُهَا أَنَّهُ مَرَّ عَلَى ضَرِيرٍ يَقْرَأُ عِنْدَ قَبْرٍ، فَنَهَاهُ عَنْهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي مُبَشِّرِ الْحَلَبِيِّ؛ قَالَ: ثِقَةٌ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مُبَشِّرٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَوْصَى إِذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا، وَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ أَوْصَى بِذَلِكَ. فَقَالَ أَحْمَدُ عِنْدَ ذَلِكَ: ارْجِعْ فَقُلْ لِلرَّجُلِ يَقْرَأُ). المبدع في شرح المقنع (2/281).
والخلاف في هذه المسألة ضعيف، ومذهب مَن استحب قراءة القرآن وأجازها هو الأقوى، حتى إنّ بعض العلماء رحمهم الله سبحانه رأى أنّ هذه المسألة فيها إجماع وصرّحوا بذلك، وممّن ذكر هذا الإجماع:-
الإمامُ ابنُ قدامة المقدسي الحنبلي رحمه اللهُ تعالى، حيث قال:ـ
(وَأَيُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا، وَجَعَلَ ثَوَابَهَا لِلْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ، نَفَعَهُ ذَلِكَ، إنْ شَاءَ اللَّهُ — وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ عِنْدَ الْمَيِّتِ، أَوْ أُهْدِيَ إلَيْهِ ثَوَابُهُ، كَانَ الثَّوَابُ لِقَارِئِهِ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ كَأَنَّهُ حَاضِرُهَا، فَتُرْجَى لَهُ الرَّحْمَةُ. وَلَنَا، مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَنَّهُ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُمْ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ يَجْتَمِعُونَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيُهْدُونَ ثَوَابَهُ إلَى مَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ. وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ) وَاَللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُوصِلَ عُقُوبَةَ الْمَعْصِيَةِ إليه، ويحجب عنه المثُوبةَ) المغني (2/ 423 ـ 424).
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (306، 2398) في هذا الموقع الكريم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والشفاعة العظمى والمقام المحمود، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.