2020-01-17

السؤال:

زوجي توفاه الله أريد دعاء يفيده أولا، وثانيا إذا نويت مشاركة الثواب في الصلاة والقيام وقراءة القرآن والاستغفار والتسبيح والصدقة والصوم والحج والعمرة وكلّ عمل يقرّبني من الله زلفا ما هو الدعاء الصحيح الذي التزم به قبل البدء بالأعمال المذكورة وجزاك الله شيخنا خير الجزاء.

والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيّد الكائنات فجر الدجى حبيب الله محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه وسلّم كما صليت وباركت على نبيّنا إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد، وصلّى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم والتابعين إلى يوم الدين والحمد لله ربّ العالمين.

 

الاسم: أم عبد الله

 

الرد:-

عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا لزيارتكم لهذا الموقع المبارك، ودعواتكم الصادقة، وأعظم الله جلّ وعلا أجركم بوفاة زوجك، وأسأله سبحانه أنْ يرفع درجته إلى أعلى عليين وسائر أموات المسلمين، وأشكر لك حرصك في السؤال عمّا ينفع زوجك في الدنيا والآخرة وهذا شأن الزوجة الصالحة.

إنّ هذا الدين العظيم الذي أرشدنا لما فيه السعادة في الدنيا والفوز في الآخرة قد تفضّل على المؤمنين بالبركة والمضاعفة لأعمالهم أكرامًا لهم، فمنها مضاعفة الحسنات دون السيئات قال جلّ وعلا:-

{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [سورة الأنعام: 160].

فعلى الإنسان أنْ يسابق لنفسه أوّلا بالخيرات وفعل المبرات، واللهُ جلّ جلاله قد تفضل بفضله العميم حيث جعل ثواب أعمال الإنسان غير منقطعة بعده كما قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله.

وقال:-

(سَبْعٌ يَجْرِي لِلْعَبْدِ أَجْرُهُنَّ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، وهُو فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ) الإمام البزار رحمه الودود الغفار سبحانه.

وقال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

وكذلك دعاء المسلمين واستغفارُهم له، ومن الأدلة على ذلك قوله سبحانه:-

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ —} [سورة الحشر: 10].

فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلَهم، وقد دلَّ على انتفاع الميت بالدعاء: إجماعُ الأمّة على الدعاء في صلاة الجنازة، والأدعية التي ورَدَت بها السنّة المطهّرة في صلاة الجنازة مستفيضة؛ منها:-

ما قاله سيّدنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:-

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ: إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ) الإمام أبو داود رحمه المعبود عزّ شأنه.

وعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنّه قال:-

(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.

وكذلك الدعاء للميت بعد الدفن؛ فعن سيّدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال:-

(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.

وكذا الدعاءُ لهم عند زيارة قبورهم.

ومن أدلةِ وصول ثوابِ الصدقة:-

ما جاء عن السيّدة عائشة رضي الله تعالى عنها:-

(أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

ومنها وصول ثواب الحج للميِّت، وبراءة ذمَّته من الدَّيْنِ إذا قُضي عنه فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحُجَّ، أَفَأَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ: اقْضُوا اللَّهَ الَّذِي لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ) الإمام البخاري عليه رحمة الباري جلّت قدرته.

وأمّا ثواب القرآن الكريم فإنّ علماء الأمّة وفقهاء الملة رحمهم الله تعالى قد نصّوا في كتبهم على وصول ثوابه لمَنْ أهدي له وقد ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية بألطافه الخفية والجلية، في مسألة قراءة القرآن الكريم للميت أنّ ثوابها يصل إليه إذ بيّن أنّ في هذه المسألة قولين للعلماء، ثمّ رجّح القول بوصول ثواب قراءة القرآن الكريم للميت فقال:-

(وَأَمَّا الصِّيَامُ عَنْهُ وَصَلَاةُ التَّطَوُّعِ عَنْهُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: لَا تَصِلُ إلَيْهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ) مجموع الفتاوى (24/315).

ثمّ قال رحمه الله تعالى في فتوى له:

(وَتَنَازَعُوا فِي وُصُولِ الْأَعْمَالِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ الْجَمِيعَ يَصِلُ إلَيْهِ) مجموع الفتاوى (24/366).

وأمّا الدعاء الذي يسبق تلك الأعمال فمطلق، والمسلم يختار الصيغة التي ذكرها العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في كتبهم وتناقلوها ومنها:-

اللهمّ أوصل ثواب هذا العمل إلى روح فلان أو مثل هذا الثواب، والله جلّ وعلا كريم وهّاب في أنْ يجعل مثل أجر العمل المهدَى في صحيفة المتوفّى.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة الأجوبة المرقمة (1169، 1750، 2158) في هذا الموقع المبارك.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله سبحانه وسلّم وأنعم وأكرم على سيّدنا محمد، خير العرب والعجم، وآله وصحبه أهل العزائم والهمم.