24/9/2024

نصّ السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

عرفت سابقًا أنّ السفر للمرأة لا يجوز شرعًا إلّا بوجود مَحْرَم بسبب صعوبة السفر والتنقّل، الآن مع وجود السهولة والتطوّر هل يبقى شرط المحرَم؟

وهل يجوز للمرأة أنْ تذهب إلى الحج أو السفر وحدها أو مع أختها أو صديقتها؟

وشكراً.

 

الاسم: سائلة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرُ تواصلكِ مع هذا الموقع الميمون، ودعواتكِ الطّيبةِ، وأسأل الله عزّ وجلّ لكِ بمثلها وزيادة يحبّها لعباده الصالحين.

الجواب باختصار:-

نعم يجوز إنْ كانت مع رفقة مأمونة، لكنّ الأفضل ألّا تسافر إلّا مع زوج أو مَحْرَم.

التفصيل:-

تعدّدت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم قديمًا وحديثًا في مسألة سفر المرأة بدون مَحْرَم، إلى قولين:-

الأوّل: المنع مطلقا، وهو قول السادة الحنفية والحنابلة رحمهم الله تعالى، واستدلوا على ذلك بقول سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

الثاني: الجواز، وهو قول السادة المالكية والشافعية رحمهم ربّ البرية جلّ جلاله على تفصيل عندهم، واستدلّوا بقول حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لسيّدنا عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنه وعنكم:-

(يَا عَدِيُّ، هَلْ رَأَيْتَ الحِيرَةَ؟ قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبِئْتُ عَنْهَا، قَالَ: فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الحِيرَةِ، حَتَّى تَطُوفَ بِالكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ومع قولهم بالجواز إلا أنّ آرائهم تعددت في شرطه، فمنهم مَنْ شرط رفقة من النسوة الثقات، ومنهم مَنْ شرط الرفقة المأمونة التي فيها رجال ونساء، ومنهم مَنْ شرط الأمن فحسب، قال الإمام ابن حجر العسقلانيّ رحمه الله عزّ وجلّ:-

(وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اشْتِرَاطُ الزَّوْجِ أَوِ الْمَحْرَمِ أَوِ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ، وَفِي قَوْلٍ تَكْفِي امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِقَةٌ، وَفِي قَوْلٍ نَقَلَهُ الْكَرَابِيسِيُّ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُهَذَّبِ تُسَافِرُ وَحْدَهَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْوَاجِبِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَغْرَبَ الْقَفَّالُ فَطَرَدَهُ فِي الْأَسْفَارِ كُلِّهَا وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ قَالَ: إِلَّا أَنَّهُ خِلَافُ النَّصِّ، قُلْتُ: وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى نَفْيِ الِاخْتِلَافِ الَّذِي نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ آنِفًا) فتح الباري (4/76).

وقال الإمام الحطاب المالكي رحمه الله جلّ وعلا:-

((السَّادِسُ) فُهِمَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ بِفَرْضِ أَنَّ سَفَرَهَا فِي التَّطَوُّعِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِزَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَا كَانَ عَلَى مَسَافَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ وَسَوَاءٌ كَانَتْ شَابَّةً أَوْ مُتَجَالَّةً ( أي عجوزًا)،وَقَيَّدَ ذَلِكَ الْبَاجِيُّ بِالْعَدَدِ الْقَلِيلِ وَنَصُّهُ: هَذَا عِنْدِي فِي الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ فَأَمَّا فِي الْقَوَافِلِ الْعَظِيمَةِ فَهِيَ عِنْدِي كَالْبِلَادِ يَصِحُّ فِيهَا سَفَرُهَا دُونَ نِسَاءٍ وَذَوِي مَحَارِمَ انْتَهَى، وَنَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْإِكْمَالِ وَقَبِلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ، وَذَكَرَهُ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ عَلَى أَنَّهُ الْمَذْهَبُ فَيُقَيِّدُ بِهِ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ، وَنَصُّ كَلَامِ الزَّنَاتِيِّ: إذَا كَانَتْ فِي رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ ذَاتِ عَدَدٍ وَعُدَدٍ، أَوْ جَيْشٍ مَأْمُونٍ مِنْ الْغَلَبَةِ وَالْمَحَلَّةُ الْعَظِيمَةِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ سَفَرِهَا مِنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ فِي جَمِيعِ الْأَسْفَارِ الْوَاجِبِ مِنْهَا وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَبَيْنَ الْبَلَدِ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/524).

وذكر الإمام ابن مفلح الحنبلي رحمه الله عزّ شأنه فقال:-

(وَعِنْدَ شَيْخِنَا (يقصد الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى): تَحُجُّ كُلُّ امْرَأَةٍ آمِنَةٍ مَعَ عَدَمِ الْمَحْرَمِ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا مُتَوَجِّهٌ فِي كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ) الفروع وتصحيح الفروع (5/245).

والخلاصة:-

يجوز للمرأة أنْ تسافر للحج أو العمرة بدون زوج أو مَحْرَم إذا كانت مع رفقة مأمونة، لكنّ الأفضل ألّا تسافر بدون أحدهما إلّا إذا لزم الأمر وأمنت على نفسها ودينها.

وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (197، 850) في هذا الموقع الميمون.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.