5/10/2024

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد النّبي الأمّي الحبيب المحبوب عالي القدر عظيم الجاه وعلى آله وصحبه أجمعين

حفظكم الله تعالى سيّدي حضرة الشيخ وألبسكم لباس الصّحة والعافية ومتّعنا بحياتكم وأنواركم وعلومكم الشريفة، سيّدي حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم وعن والديكم ومحبيكم.

سؤالي هو:

ما حكم من سبّ الله عزّ وجلّ عند الغضب؟ أو سبّ الدين؟ وما عليه أنْ يفعل؟ وهل تُحبط أعماله كلها؟

 وجزاكم الله خير الجزاء.

 

 الاسم: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.

 

الجواب باختصار:-

إنَّ سبَّ الذات العَلِيَّةِ، أو الملائكةَ، أو نبيّاً مِنَ الأنبياء عليهم الصّلاة والتّسليم، أو الاستخفاف بالقرآن و الدين يعدُّ كفراً بإجماع العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، حتى لو كان ذلك في حال الغضب ما لَمْ يصل إلى حدّ الجنون وفقدان الوعي التام فهذا لا يُؤاخذ عليه، ومن وقع منه الكفرُ فقد حَبِط عمله كما أخبر جلّ جلاله فقال:-

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة المائدة: 5].

ويجب عليه أنْ يُبادر إلى التّوبة النّصوح، ويستأنف العمل.

 

التفصيل:-

إنّ سؤالكم الكريم يشتمل على أربعة محاور وهي:

حكم سبّ الله تبارك اسمه عند الغضب.

وحكم سبّ الدين.

وماذا يجب على مَنْ تلبّس بشيء منها.

وهل السّب يحبط الأعمال كلها.

المحور الأول: حكم سبّ الله جلّت ذاته وصفاته عند الغضب.

إنَّ سبَّ الذات العلية كفرٌ وَرِدّةٌ بنص الكتاب العزيز قال جلّ في علاه:-

{وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [سورة التوبة: 65- 66].

وقد أجمع على ذلك العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كما نصَّ القاضي عياض رحمه الله جلّ جلاله حيث قال:-

(لَا خِلَاف أَنّ سابّ اللَّه تَعَالَى من الْمُسْلِمِين كافر) يُنظر: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه أجمعين (2/270).

وأمّا وقوع السبِّ في حال الغضب فإنّ الغضب على ثلاثة أقسام:

أولا: ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبُه بما يقولُ ويفعلُ، فهذا لا عبرة بقوله فلا يكفر حينئذٍ لأنّه يُعد في عداد المجانين، وهو ما يعبر عنه بالإغلاق.

ثانيا: أنْ يستحكم الغضب ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية، بحيث يندم على ما فرط منه فهذا محلّ نظر، والظاهر أنْ يحاسب على قوله وكفره في هذه الحال؛ لإمكان مجاهدة نفسه في عدم النّطقِ بسبّ الذّات العليّة أو الدّين.

ثالثا: أنْ يكون الغضب في مباديه بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول، فيحاسب بما يقوله إجماعا. يُنظر: الإعلام بقواطع الأسلام (ص 145)، وزاد المعاد في هدي خير العباد (5/ 196).

قال الإمام النووي رحمه الله جلّ في علاه:-

(وَلَوْ غَضِبَ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ غُلَامِهِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَسْتَ بِمُسْلِمٍ، فَقَالَ: لَا، مُتَعَمِّدًا كَفَرَ) روضة الطالبين (10/ 68).

المحور الثاني: حكم سبّ الدين.

إنّ الدين أو الإيمان أو الإسلام كلها ألفاظ تدل على ما ارتضاه الحق تبارك وتعالى دينا لعباده قال الله عز وجلّ:-

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 19].

وسبّ الدين كفرٌ وردة كما أخبر جلّ جلاله فقال:-

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [سورة المائدة: 5].

قال الإمام النووي رحمه الله عظمت عطاياه:-

(وَالْأَفْعَالُ الْمُوجِبَةُ لِلْكُفْرِ هِيَ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ تَعَمُّدٍ وَاسْتِهْزَاءٍ بِالدِّينِ) روضة الطالبين وعمدة المفتين (10/ 64).

وقد سُئِلَ العلامة شيخ المالكية محمد عَلِيش: عَنْ رَجلٍ جَرَى عَلى لِسَانِهِ سَبُّ الدِّينِ مِنْ غَيرِ قصدٍ، هَلْ يَكْفُرُ أَوْ لابُدَّ مِن القَصدِ؟

فأجاب رحمه الله تعالى بما نصه:-

(الحمدُ للهِ وَالصلاةُ والسّلامُ عَلى سيدِّنَا مُحمدٍ رَسولِ اللهِ نَعَمْ ارتَدَّ لأنّ السَبَّ أَشدُ مِن الاستخفافِ وَقد نَصُوا عَلى أَنَّهُ رِدّةٌ فَالسَّبُ رِدَةٌ بالأولى، وَفِي الـمَجْمُوعِ: وَلا يُعْذرُ بِـجَهْلٍ وَزللٍ لِسَانٍ) يُنظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (2/348).

وهل تطلق زوجته بسبب هذا؟

فالراجح: أنّه تقع الفرقة بينه وبين زوجته إذا استتيب وبُيِّنَ له فلم يتب، ولا يُعدّ هذا الفراق طلاقا، قال الإمام المرغيناني رحمه الله عزّ وجلَّ:-

(وَإِذَا ارْتَّدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَنِ الإِسْلَاْمِ وَقَعَتِ الفُرْقَةُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ) يُنظر: الهداية في شرح بداية المبتدي (1/ 215).

وقال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله سبحانه عنهما:-

(وَأَيُّمَا رَجُلٍ مُسْلِمٍ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ كَذَّبَهُ أَوْ عَابَهُ أَوْ تَنَقَّصَهُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَبَانَتْ مِنْهُ زَوْجَتُهُ) الخراج لأبي يوسف (ص: 199).

المحور الثالث: ماذا يجب على من تلبّس بشيء منها؟

يجب على مَن باشر هذا القول القبيح أنْ يبادر إلى التوبة النصوح ولا يعود إليها لعل الله جل جلاله أنْ يتوب عليه، ويجب على الوالدين وأولياء الأمور توعية الناشئة والمجتمع بخطورة هذه الأقوال، وأنْها سبب لنزول السخط الإلهي عياذا بالله تعالى.

المحور الرابع: هل السبّ يحبط الأعمال كلها؟

تبين مما سبق أنّ سَبّ الذات العَلِيَّةِ، والدينِ، يعدُّ ردّة عياذا بالله سبحانه، وهو محبط للعمل كما أخبر الحق تبارك وتعالى:-

{وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [سورة البقرة: 217].

ولكنه إن تاب وأناب وصدق في تضرعه وتوبته قبل موته فلعل الله تبارك اسمه يعيد له أعماله الصالحة أو يبدله عنها جزاء حسنا كما هو مذهب بعض أهل العلم رحمهم الله جلّ ثناؤه قال الإمام الماوردي رحمه الرحيم جلّ في علاه:-

(دَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى:- {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [سورة البقرة: 275]. وَهَذَا الْمُرْتَدُّ إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ فَقَدِ انْتَهَى بِمَوْعِظَةٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ عَمَلِهِ) الحاوي الكبير (4/ 248).

وتبين أيضاً أنّ السّابَّ متعمداً يُعَدُّ كافراً بالإجماع رأيًا واحدًا.

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (212، 440، 458) في هذا الموقع الميمون.

والله عزّ شأنُه أعلم.

وصلى الواحد الأحد سبحانه وتعالى على زينة الوجود، ومنبع الكرم والجود، المخصوص بالمقام المحمود سيدنا حضرة خاتم النبيين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه، في كل وقت وحين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.