2/11/2024
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة تعالى وبركاته.
شيخنا الفاضل أسأل الله تعالى أن تكونوا بخير، ويديمكم بخير، ويَمُدّ في عمركم في خيرٍ ولطف وعافية.
إذا تكرمتم علينا بجواب حيرنا سنين قال تعالى:- (ويسلموا تسليما) نعلم أنّ من أدب العبد مع ربه أنْ يسلم أمره لله؛ وعلمنا أنّ الصالحين كانوا حتى إذا مَرِضُوا لا يَسألوا الله سبحانه الشفاء أدباً مع تقديره عليهم، ربما ذلك يختلف حسب مقام كل أحدٍ عند الله فليس العاميّ كالولي لكن سيدي من حين علمنا ذلك عنهم ونحن في ذاك الحال وأيضا خوفا من أن يكون ما نطلبه شراً لنا وفي أمر كان مرادنا من سنين لكن نكتم ونادراً ما ندعوا لأجله فتبين فعلاً أنّ الدعاء لأجله ليس خيراً في هذا الحال وقعنا في أمرين أمر أنْ يكون الطلب ينافي مراد الله أي تقديراً وأمر ثاني أنّ الدعاء قد يكون شراً وإنْ كان ظاهره خيراً وقد يوافق ساعة الإجابة فما إرشادكم في ذلك هل التفويض والدعاء بما ينفع للآخرة فقط أفضل أم ماذا؟ في حين طلبي في أي أمر أشعر بثقل وخجل من الله وأشعر أنّه يجب أنْ لا ادعو بأي أمر دنيوي فقط اطلب رضاه وقربه ﷻ ومِن سنين وأنا على هذا الحال إلا أنّي إذا اشتد كربي طلبت من الله رؤية ترشدني أخير لأدعوَ به أم شراً.
أرشدونا تكرماً وجزاكم الله تعالى خيراً ونفعنا بكم في الداريين ونطلب منكم الدعاء بالقبول
الاسم: سائلة
وَعَلَيْكُمُ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
جزاكم الله تبارك اسمه خيراً على دعواتكم الطيّبة ولكم بمثل ما دعوتم وزيادة.
لا يجوز للمسلم ترك الدعاء مِن قَدَرٍ أصابه وضُرٍّ نزل به أو لحاجة دنيوية لأنّه مخالف للشّريعة.
التفصيل:-
ينبغي أنْ نعلم أولاً أنّ الدعاء عبادة فلا ينبغي للمسلم تركه.
قال الله تعالى:-
{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سورة غافر: 60].
قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام مبينا ذلك:-
(الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ) الإمام الترمذي رحمه العلي جلّ وعلا.
وفي رواية أخرى قال عليه الصّلاة وأتم السلام:-
(الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
لذلك نرى النّبي صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم كان يلجأ إلى الله جلّت صفاته بالدعاء في كلّ أوقاته ولا سيما حينما يمر بكرب كما في معركة بدر الكبرى.
فعن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعنكم:-
(قال: لما كان يوم بدر نَظَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ…..) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.
فالمسلم في هذه الدنيا معرضٌ للابتلاء والاختبار، وكل حسب تقواه وإيمانه وقربه مِن مولاه جلّ جلاله وعمّ نواله، وما عليه إلا أنْ يصبر لقوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ) الإمام الطبراني رحمه العلي جلّ ذكره.
ومنها قوله عليه الصّلاة والسّلام وآله وصحبه الأعلام:-
(عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
فالواجب الأخذ بالأسباب التي ترفع عنّا البلاء سواء كانت مادية أو معنوية، فمِنْ تلك الأسباب المعنوية الدعاء أنْ ندعوا الله تقدّست أسماؤه أنْ يرفع عنا كل ما ينزل بنا مِن شدة وكرب وبلاء فربنا سبحانه أمرنا بالدعاء والتّوجه إليه بصدق ويقين.
ولذلك نجد النصوص الشرعية أمرت بالدعاء وحثت عليه، بل جاء التخويف مِن تركه والإعراض عنه.
لأنّ الدعاء من العبادات التي جعل الله تعالى لها أهمية كبرى في حياة المسلم بل حتى في حياة الإنسان بشكل عام مسلماً كان أو غيره، لِمَا له مِن أثر كبير في الدنيا بدفع البلاء ورفع المصائب، وفي الآخرة مِن أجر كبير وثواب جزيل.
والمتتبع للنصوص الشرعية يُلاحظ ذلك:
قال جلّ ثناؤه:-
{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [سورة البقرة: 186].
وقال الله تبارك أسمه:-
{أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلا مَّا تَذَكَّرُونَ} [سورة النمل: 62].
وفي سنّة خير العباد صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وسلّم أحاديث كثيرة وعديدة تحث وتُبيّن فضل الدعاء.
فعَن سيدنا أبى هريرة رضي الله عنه وعنكم عن النبي صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه قال:-
(مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
ولله درّ القائل:-
لاَ تَسْـأَلَـنَّ بُنَيَّ آدَمَ حَـاجَــــةً**** وَسَلِ الَّذِي أَبوَابُه لاَ تُحْجَبُ
اللهُ يَغْضَبُ إِن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ****وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
و أوصيكِ بكثرة الدعاء في أيام الرّخاء قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم :-
(مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالكَرْبِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ في علاه.
فالدعاء لا يُغيّر قدر الله تعالى بل الدّعاء سبب في رَدّ القضاء كما هُوَ مُبيّن في جواب السؤال المرقم (1804) في هذا الموقع المبارك.
فلا تتوقفي عَن الدعاء أبداً لأنّ من الاقدار ما هو معلق و ما هو مبرم كما موضح في جواب السؤال المرقم (2823) في هذا الموقع الأغرّ.
فالمسلم يُسلّم الأمر لله جلّ وعلا مع الأخذ بالأسباب.
أمّا ذكر حال بعض عباد الله الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فليس بحجةٍ لترك الدّعاء، لأنّها أحوالٌ يمرُّ بها بعضهم، وصاحب الحَالِ لا يُنْكَرُ عليه ولا يُقْتَدى به.
وأرجو مراجعة باب العقائد وما فيه من أسئلة في باب الإيمان بالقدر.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم وأحكم.
وصلِّ اللهم وسلِّم على سيدنا محمدٍ خير مَن دعا وعلى آله وصحبه أهل الصدق والوفى.