6/11/2024
نص السؤال:
هل يجوز للولي أو الرجل الصالح صاحب الكرامة أنْ يُصرِّح أنّ لديه كرامة؟ مثل أنْ يقول (مِن كرامتي كذا) أو (عندي كرامة في كذا)؟
الاسم: عبد الرحمن
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررتُ بتواصلكم مع هذا الموقع المبارك، وأسأل الله جلّ في علاه لك التوفيق والسداد إنّه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه.
قبل الإجابة عن سؤالك أرى من الواجب أنْ أذكّر جنابك الكريم بضرورة البدء بالسلام تطبيقا لنصوص الشريعة الغرّاء، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (3038) في هذا الموقع الأغرّ.
لا حرج في حديث الشخص عمّا أكرمه الله تعالى به، من باب شكر الله عزّ وجل، والتّحدث بنعمته، لا على سبيل الفخر والتعالي، وادعاء الولاية.
قال الله تعالى:-
{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 62ـ 64].
قال الإمام الجرجاني رحمه الله جلّ ذكره:-
(الكرامة: هي ظهور أمر خارق للعادة من قِبَلِ شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونًا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجًا. وما يكون مقرونًا بدعوى النبوة يكون معجزة). التعريفات للجرجاني ص 184.
ومعنى هذا: أنّ الله تعالى قد يخرق العادة لعبد مِن عباده الصالحين، لحاجته إلى ذلك؛ تأييدا له، أو إعانة، أو تثبيتا، أو نصرا للدين، كأنْ يقع في ضائقة فيزيلها الله جلّ ذكره عنه بأمر خارق، أو لإقامة الحجة على صدق دين الإسلام، وإبطال شبهات أعدائه.
ولا يعني ذلك: أن هذا الرجل الصالح (الولي) عنده علم الغيب، وإنّما هو علم من الله جلّت صفاته ألهمه الله إياه بمنام صادق، أو إلهام، أو فراسة إيمانية.
أمّا عن سؤالك: هل يجوز للرجل الصالح التصريح بكراماته؟
لا حرج في حديث الشخص عما أكرمه الله جلّ وعلا به، من باب شُكْرِ الله سبحانه، والتّحدث بنعمته.
فقد قال الله عزّ وجل:- {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [سورة الضحى: 11].
روى الإمام الطبري رحمه الله العليّ جلّ جلاله، عن أبي نضرة رحمه الله عزّ وجل، قال:- (كان المسلمون يرون أن من شُكْرِ النعم أن يحدّثَ بها) تفسير الإمام الطبري رحمه الله جلّ وعلا (24/489).
وقال الإمام أبو بكر ابن العربي رحمه الله عزّ وجل:-
(إذَا أَصَبْت خَيْرًا أَوْ عَمِلْت خَيْرًا فَحَدِّثْ بِهِ الثِّقَةَ مِنْ إخْوَانِك) أحكام القرآن:(4/410).
وهذا على سبيل الشكر، لا الفخر والتعالي.
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام:-
(مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ، لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ، لَمْ يَشْكُرِ اللهَ. التَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللهِ شُكْرٌ، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ، وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
ويحسن عدم الحديث عن النّعم بحضرة مَن يخشى حسده.
ويمنع الحديث بالكرامات على سبيل الفخر، وتزكية النفس، وادعاء الولاية.
قال الشيخ أحمد الرفاعي رحمه الله جلّ ذكره:-
(ولا ترغب الكرامات وخوارق العادات فإن الأولياء يستترون من الكرامات كما تستتر المرأة من الحيض، ولازم باب الله، ووجه قلبك لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واجعل الاستمداد من بابه العالي بواسطة شيخك المرشد) البرهان المؤيد ص 128.
فخرق العادة يُعَدُّ كرامةً إذا كان يحصل لشخص يُعرف بالتقوى والصلاح، لأنّ الكرامة تكون للمؤمنين أولياء الله تعالى، وهؤلاء تكون سِمَتُهم الأساسية هي الإيمان والتقوى.
فمّن لمْ يَكُن تقيا، فخرق العادة له لا يعتبر كرامة؛ بل قد يكون استدراجا.
قال جلّ وعلا:-
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [سورة الأعراف: 182].
أوامتحانا لعباده، أو مِن عمل الشعوذة والسحر وعمل الشياطين والعياذ بالله تعالى.
فوقوع الكرامات لصُلحاء هذه الأمة أمر ثابت لا شك فيه، وهو مِن تثبيت الله سبحانه لعبده المؤمن، ومن عاجل مَثُوبَتِه له.
قال الإمام الطحاوي رحمه الله تبارك اسمه:-
(وَنُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ، وَصَحَّ عَنِ الثِّقَاتِ مِنْ رِوَايَاتِهِمْ). شرح العقيدة الطحاوية ص494.
فعن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها وعنكم: أنّ سيدنا أبا بكر رضي الله سبحانه عنه وعنكم أخبرها بأن الحمل الذي في بطن امرأته أنثى، وذلك أنه ذكر من يرثه لعائشة وهو على فراش الموت، فقال:- (إِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ ، فقَالَتْ عَائِشَةُ : يَا أَبَتِ ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً) الإمام مالك رحمه الله جلّ جلاله.
وقد وقع الأمر كما أخبر به بناء على رؤيا رآها، أو شيء ألهمه الله عزّ وجل إياه ووقع في قلبه، أو ظنّ ظنه بناء على فراسة إيمانية صادقة رضي الله تعالى عنه وعنكم وأرضاه.
لكن لا بد أن يُتناول هذا الأمر بحذر وفهم صحيح، فإنّه قد يقع لبعض أهل الضلال مِن خوارق العادات ما يظنه الجاهل أنّه مِن الكرامات، وإنما هو من تلبيس الشياطين.
فالواجب على المسلم تجاه كرامات الأولياء أن يكون وسطاً، لا غالياً ولا جافياً، وأن يعلم أنه ليس بشرط أن يحصل لكل ولي كرامة، فلا تلازم بين الولاية وبين ظهور الكرامات والأمور الخارقة للعادة، وأنْ يعلم كذلك أنّ أفضل كرامة هي الاستقامة على طريق وشرع الله جلّ في علاه، والتمسك بهدي وسنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله عز وجل:- (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) شرح العقيدة الطحاوية: ص 508.
وقال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ وعلا:-
(وَإِنَّمَا غَايَةُ الْكَرَامَةِ لُزُومُ الِاسْتِقَامَةِ فَلَمْ يُكْرِمْ اللَّهُ عَبْدًا بِمِثْلِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيَزِيدُهُ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إلَيْهِ وَيَرْفَعُ بِهِ دَرَجَتَهُ) مجموع الفتاوى: (11 /298).
ولمزيد فائدة لمعرفة الكرامة، أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2087) في هذا الموقع الأغر.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، طبّ القلوب ودوائها، وعافية الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وقوت الأرواح وغذائها، وعلى آله وصحبه أجمعين.