25/7/2023
نص السؤال:
لماذا أنت وبقية الشيوخ لا تطيلون اللحى رغم أنّ نبيّنا الحبيب أمر بذلك صلّى الله عليه وسلّم؟ ألم يقل صلّى الله عليه وسلّم (انهكو الشارب وأعفوا اللحى) صحيح البخاري.
وكثير من الأحاديث التي وردت في ذلك فلماذا تخالفون النبيّ في ذلك؟ أليس الحبّ اتّباع؟ فمن الاتباع أنْ تطبّق سنّة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وأيضًا إنْ كنتم أنتم الشيوخ تخالفون السنّة فما بال العوام؟ بالتأكيد ستندثر السنّة إذا كان الشيوخ يفعلون هذا.
الاسم: سائل
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
سُررتُ بتواصلك مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لك التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
اللحية سنّة مستحبة وليست فرضًا على الرأي الراجح للعلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، والسنّة في مصطلح الفقهاء رحمهم الله جلّ في علاه هي:-
(مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ) التبصرة في أصول الفقه للإمام الشيرازي رحمه الله سبحانه (ص: 37).
بداية كان بودّي أنْ تبدأ رسالتك بالسلام لِتُحَقِّقَ السنّة التي تطالبني بتطبيقها، وحتمًا جنابك الكريم تعرف أو تحفظ الكثير من النصوص الواردة في فضل البدء بالسلام، لذا سأكتفي بنقل بعض ما ذكره الفقهاء رحمهم الله جلّ وعلا في هذا:-
قال الإمام ابن عابدين الحنفي رحمه الله تعالى:-
(الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ، وَهُوَ فَرْضٌ) الدر المختار على رد المحتار (1/126).
وقال الإمام أبو عبد الله المواق المالكي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(الِابْتِدَاءُ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالرَّدُّ آكَدُ وَأَوْجَبُ) التاج والإكليل لمختصر خليل (2/224).
وقال الإمام النووي رحمه الله سبحانه:-
(إبْدَاءُ السَّلَامِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: هُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِذَا مَرَّتْ جَمَاعَةٌ بِوَاحِدٍ أَوْ بِجَمَاعَةٍ فَسَلَّمَ أَحَدُهُمْ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةَ، وَأَمَّا جَوَابُ السَّلَامِ فَهُوَ فَرْضٌ بِالْإِجْمَاعِ) المجموع شرح المهذب (4/593).
وجاء في الموسوعة الفقهية:-
(أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَرَدُّهُ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِالتَّحِيَّةِ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ بِالرَّدِّ. وَالأْمْرُ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَصْرِفْهُ صَارِفٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ، أَوْ بِالطَّلَبِ إِلَى رَسُولٍ تَبْلِيغُ السَّلاَمِ، كَمَا يَنْبَغِي لِمَنْ تَحَمَّل السَّلاَمَ أَنْ يُبَلِّغَهُ) الموسوعة الفقهية الكويتية (10/118).
والموضوع الذي تسأل عنه لا يستوجب هذا الهجوم والغلظة في الأسلوب، فإنّ ذلك يتناقض تمامًا مع نصوص الشرع الشريف، واقرأ إنْ شئتَ قول الله جلّ في علاه:-
{قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سورة سبأ: 25].
فتأمّل كيف نسب الإجرام إلى نفسه وهو سيّد الخلق صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، ونسب العمل إلى الغير، مع أنّ هذا الغير مشرك.
وقال سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاسِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
والحديث الذي ذكرتَه في سؤالك لم يرد بهذا اللفظ، إنّما الوارد:-
(انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى) الإمام البخاري رحمه الباري عزّ شأنه.
بزيادة ألف بعد واو الجماعة في (انهكوا)، وبلفظ (الشوارب) وليس (الشارب).
ومعنى (انهكوا) أي بالغوا في القصّ.
ثمّ إنّ الاتّباع ينبغي أنْ يكون في كلّ ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام من أقوال وأفعال وأحوال، والمسلم الصادق -وأرجو أنْ تكون كذلك- يجتهد ويسعى لتحقيق هذا على قدر استطاعته، قال عزّ من قائل:-
{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة التغابن: 16].
وقال حضرة الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والأولى بالعبد أنْ يولي اهتمامه بما هو أجلّ وأعظم، وهو سلامة القلب، قال الحقّ جلّ ذكره:-
{يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء: 88 – 89].
وقال حضرة نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وإنْ كنتَ تصبو إلى الحقّ والعمل به، وتريد معرفة الحكم المتعلّق بإعفاء اللحية أو تخفيفها أو حلقها، فإنّي أنصحك بقراءة جواب السؤال المرقم (2887) في هذا الموقع الكريم.
ولمعرفة المزيد من أحكام هذا الباب أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (744، 2784) في هذا الموقع الميمون.
وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكَ ولسائر المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.