6/11/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله تعالى خير الجزاء سيدي وسندي على هذا الموقع المبارك

 سيدي سؤالي هو:-

حول جواز الصلاة على الكرسي للمرضى ذكر البعض أنّه لا يجوز!

 وذلك لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (صلوا كما رأيتموني أصلي) وبعض الأحاديث التي توضح أنه عندما مرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم صلى قاعدا على الارض فإذا أمكن توضيح المسألة لنا وجزاكم الله تعالى خيرا الجزاء.

 

الاسم: أم محمد

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه رؤوف بالعباد.

 

الجواب باختصار:-

إذا كان المصلي لا يستطيع القيام أو يشقُّ عليه ذلك مشقةً شديدةً لعلّة كالمرض أو الضعف أو كِبَرِ سنٍّ فصلاته صحيحة سواء كانت على الأرض أو الكرسي.

 

التفصيل:-

قال تعالى:-

{حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة :238].

القيام ركنٌ من أركان الصلاة لا يجوز تركه لهذه الآية؛ إلا لمَنْ شقّ عليه ذلك فيجوز له الصلاة قاعداً سواء فوق الكرسي أم على الأرض.

فعَنْ الصحابي الجليل عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ وعنكم، قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:- عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ:-

(صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الباري سبحانه:-

(فَإِنْ كَانَ عَجْزُهُ عَنْهُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ – يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْفِعْلِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَكَذَا إذَا خَافَ زِيَادَةَ الْعِلَّةِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِهِ وَفِيهِ أَيْضًا حَرَجٌ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ يُصَلِّي قَاعِدًا بِالْإِيمَاءِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقُعُودِ يَسْتَلْقِي وَيُومِئُ إيمَاءً؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ لِمَكَانِ الْعُذْرِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْعُذْرِ) بدائع الصنائع (1/150).

 

قال الإمام المازري المالكي رحمه العليّ جلّ في علاه:-

(القِيَامُ رُكْنٌ مِن أَرْكَانِ الصّلَاةِ وَشَرْطٌ فِي صِحّةِ صَلَاةِ الفَرْضِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} وَخُصّ مِنْ هَذهِ الآية العَاجِزُ عَنِ القِيَامِ فِي الفَرْضِ) شرح التلقين (1/816-817).

 

قال الإمام النووي رحمه العليّ جلّ شأنه:-

(اجمعت الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَّاهَا قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ عَنْ ثَوَابِهِ فِي حَالِ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا ” قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَجْزِ أَنْ لَا يَتَأَتَّى الْقِيَامُ وَلَا يَكْفِي أَدْنَى مَشَقَّةٍ بَلْ الْمُعْتَبَرُ الْمَشَقَّةُ الظَّاهِرَةُ فَإِذَا خَافَ مَشَقَّةً شَدِيدَةً أَوْ زِيَادَةَ مَرَضٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَوْ خَافَ رَاكِبُ السَّفِينَةِ الْغَرَقَ أَوْ دَوَرَانَ الرَّأْسِ صَلَّى قَاعِدًا وَلَا إعَادَةَ) المجموع شرح المهذب (4/310).

 

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ جلاله:-

(أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا) المغني لابن قدامة (2/206).

ولو نظرنا إلى توجيه نبيّنا الكريم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لسيّدنا عمران بن حصين رضي الله سبحانه عنه وعنكم لأدركنا أنّ النبي صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين لم يقل له فإنْ لم تستطع فصل قاعداً على الأرض بل قال صلّ قاعداً فأمره بمطلق القعود فيكون على الأرض أو على الكرسي، والجلوس على الكرسي يسمى قعودا.

 قال سيّدنا أبو رفاعة رضي الله تعالى عنه وعنكم:-

(انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: ” فَأَقْبَلَ إِلَيَّ، فَأَتَى بِكُرْسِيٍّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى، قَالَ: ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا) الأمام أحمد رحمه الصمد جلّ ثناؤه.

من خلال النصوص المباركة يتبيّن لنا جواز ترك القيام في الصلاة للمعذور مِن مرضٍ أو خوفٍ وغيره.

والقاعدة الفقهية تقول: (الْمَشَقَّةُ تَجْلُبُ التَّيْسِيرَ) ينظر: الْأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ عَلَى مَذْهَبِ  الإمام أَبِيْ حَنِيْفَةَ النُّعْمَانِ للإمام ابن نجيم(1/64)، و الأشباه والنظائر للإمام السبكي (1/49) رحمهم الله جلّ وعلا جميعا.

فالشريعة الغراء مبنيّةٌ على التخفيف والتيسير على العباد ورفع المشقة والحرج عنهم.

قال جلّ ثناؤه:-

{لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا} [سورة الفتح: 17].

 

إذاً الصلاة على الأرض أو فوق الكرسي يسمى صاحبها بأنّه صلّى  قاعداً، وهي صحيحة لعموم الحديث المبارك.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2852، 1550).

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.