7/11/2025
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
كيف حالكم مولانا حضرة الشيخ رضي الله تعالى عنكم وعن والديكم ومشايخكم وأحبابكم.
أدامكم الله تعالى ذخرا للإسلام والمسلمين.
عفوا سيدي سؤالي هو:-
ما الأمور التي ينبغي للسالك إلى الله، وهو تحت نظر مرشده ومربيه (رضي الله عنه)، أن يستأذنه فيها قبل الإقدام عليها؟
الاسم: فيضي العنزي
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكراً جزيلاً على تعلّقكَ المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتكَ الكريمة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
الاستئذان أدبٌ أصيلٌ في الشرائع كلها، وقاعدة راسخة في مناهج التربية والتزكية أجمع، ومساحته تختلف بحسب اختلاف العصور والأحوال فقد تنتفي حاجته في الأمور الصغيرة أو المعروفة بحسب منهج الشيخ المربي، ويبقى الاستئذان في الأمور المهمة والجامعة ضرورة ينال بها المريد السالك البركة والتنوير والتوفيق بإذنه جل جلاله وعمَّ نواله.
أمتنا بفضل الله تعالى أمّة الإذن والسند، فبهما يأتي التنوير والمدد؛ وما كان للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم أنْ يدعو إلى الله جل جلاله لولا الإذن الكريم؛ قال مولانا العظيم:-
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [سُورَةُ الأَحۡزَابِ: 45-46].
إنّ الإذن ثقافة راسخة في شريعتنا الغراء، شاملة لكل نواحيها بدءًا من باحة الدار إلى مقارعة الكفار؛ فقال الله تبارك اسمه في الأولى:-
{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [سُورَةُ النُّورِ: 59].
وقال سبحانه في الثانية:-
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سُورَةُ النُّورِ: 62].
ومما فهمه الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم – وهم أهل الأدب الرفيع والذوق العالي – من قوله جلّ وعلا:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سُورَةُ الحُجُرَاتِ: 1].
أنّهم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم لا يفعلون شيئًا قبل أنْ يستأذنوا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم.
فعن سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه وعنكم قال:-
(جَاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، يَسْتَأْذِنُهُ في الجِهَادِ فَقالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَفِيهِما فَجَاهِدْ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ ثناؤه.
ولقد وَجَهَ النبي عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأعلام أمته باستئذان ذوي الشأن فيهم كالوالدين؛ فعن سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله جلّ وعلا عنه وعنكم قال:-
(أنَّ رجلًا هاجرَ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ منَ اليمَنِ فقالَ : هل لَكَ أحدٌ باليمَنِ ؟ ، قالَ : أبوايَ ، قالَ : أذنا لَكَ ؟ قالَ : لا ، قالَ : ارجِع إليهما فاستأْذِنْهما ، فإن أذنا لَكَ فجاهِدْ ، وإلَّا فبرَّهُما) الإمام أبو دواد رحمه المعبود عزّ اسمه.
وهكذا فللمرشد المربي رضي الله تعالى عنه وعنكم وِرَاثَةٌ نِسْبِيَةٌ شريفةٌ مِن خاتم النبيين صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم كما أن مقامه في التربية الروحية أعظم من مقام الأبوين، ومِن هنا مضت سُنة الاستئذان في حضارة المسلمين، وجاء توجيه وتأكيد العلماء الربانيين والسادة المرشدين رضي الله سبحانه عنهم أجمعين بضرورة الإلتزام بهذا الأدب المهم الذي يمنح السالك التنوير والمدد ببركة السند الواصل إلى النبي الكامل صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأفاضل، كما أنه دليلٌ على الاحترام والأدب، ووسيلة لطلب البركة والتوجيه تجنبًا للوقوع في الخطأ والزلل، وأدناه بعض أقوال العلماء رضي الله جلّ جلاله عنهم وعنكم في بيان ضرورة الاستئذان خاصة في الأمور المهمة والجامعة:-
1- قال الشيخ ابن أبي جمرة رحمه الله جلّ ثناؤه في شرح حديث استئذان الصحابي رضي الله جلّ شأنه عنه وعنكم في الجهاد:-
(لأنّ هَذَا الصّحَابِي رَضِي الله عَنهُ لَمّا أنْ أَرَادَ الخُرُوج إِلى الجِهَاد لَمْ يَسْتَبِد برأي نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ حَتَى اسْتَشَارَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَأَعْرَف، هَذا مَا هُو فِي الجِهَادِ الأَصْغَرِ فَكَيْفَ بِهِ فِي الجِهَادِ الأَكْبَرِ؟!) “بهجة النفوس” شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة (3/146).
2- (فَفَائِدَةُ الشّيْخِ مَع المُرِيدِ هِي إِظْهَارُ العُيُوبِ القَاطِعَةِ عَنِ الله تَعَالَى للمُرِيدِ، فَيُشَخِصَهَا لَهُ، وَيُرِيَهُ دَوَاءَها، وَلَا يَتِمُ هَذَا إلا مَعَ مُرِيدٍ صَادِقٍ أَلْقَى مَقَالِيدَ نَفْسِهِ لِشَيْخِهِ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ أَلاَّ يَكْتُمَ خَاطِرًا مَا عَن شَيْخِهِ) النور المبين على المرشد المعين للفقيه المالكي عبد الواحد بن عاشور ص (178).
3- (قال موسى عليه السلام {هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰۤ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدࣰا }[سُورَةُ الكَهۡفِ: 66] أي: هل تأذن في اتباعك، لاتعلم منك؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم الذوق) المواقف للأمير العارف بالله عبد القادر الجزائري (1/305).
ومن صور الاستئذان ما ذكره الأستاذ نكتل يونس كشمولة في كتابه المبارك (النجم الزاهر) فقد استأذن حضرة الشيخ مصطفى كمال الدين طيب الله تعالى روحه وذكره وثراه في كتابته فأذن له.
وفي الكتاب صور عديدة تصف أدب الاستئذان فمنها استئذان الكاتب حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيب الله جلّ شأنه روحه وذكره وثراه بأنْ ينشر اسمه المبارك على أنّه أحد المرشدين المجازين فلم يأذن بذلك تواضعًا، وهكذا الحال في مسألة نشر قصيدته المباركة ” مرابع الأُنس”، كذا فإنّ الكاتب استأذن حضرته في إضافة فصل خاص بحياة حضرته في طبعة الكتاب الثانية فلم يأذن له، بل قال ما نصه:-
(كِتَابُكَ النّجْمُ الزّاهِرُ سَجَّلَ سِيْرَةَ وَتَارِيخَ حَيَاةِ شَيْخِنَا الإِمَامِ الرّاحِلِ طَيّبَ الله ذِكْرَهُ وَثَرَاهُ وَمَا أُحِبّ أنْ تَجْعَلَنِي رَدِيفًا لَهُ فِيهِ، فَأَيْنَ الثَّرَى مِنَ الثُّرَيّا) انظر: النجم الزاهر لنكتل يونس كشمولة، (ص 15، 138-140).
وممّا تقدم ينبغي للسالك الصادق الرجوع إلى شيخه وأخذ إذنه في المسائل المهمة في حياته مثل زواجه ودراسته وسفره خارج البلاد وما شابه ذلك.
ذاك أنّ المرشد – وهو ولي صالح كبير – يرى بنور الله جلّ وعلا فيُوجِّه مريده لِمَا فِيِهِ صلاح دينه ودنياه، قال نبي الرحمة صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
وقال عليه الصلاة وأتمّ السلام وعلى آله وصحبه الكرام:-
(اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظرُ بنورِ اللهِ) الإمام الطبراني رحمه المتعالي سبحانه.
فهذه الصلاحية الطيبة للمؤمن فكيف تكون للوليّ المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم؟
لا شك أنّها أَعْظَمُ وأشْمَلُ وأقوى.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2968) في هذا الموقع المبارك.
والسالك بحاجة ماسة إلى نور وفراسة شيخه في هذه الدنيا المليئة بالفتن والظلمات ليكون له فرقانًا بين الحق والباطل في المشتبهات والعظائم مِن الأمور.
ولأنّ عصرنا اليوم قد تحول مِن طابع البساطة إلى التعقيد فلا ينبغي للسالك مراجعة شيخه في كل تفصيلات حياته، ويطلب الإذن فيها لضيق الأوقات وكثرة الواجبات ولمراعاة أحوال السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، والسالك الفطن يعرف اختيارات شيخه؛ فهو متواصلٌ مع حركة مرشده، متفاعلٌ مع منهجه وسيره في واقع الدعوة والحياة، فيفهم بذلك طبيعة ذلك المنهج ويلتزم بمعالمه ويمضي على منواله.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (3227) في هذا الموقع الميمون.
وبالنسبة لأحبابي فلقد أسهبتُ في بيان منهجي على نحو واضح وبسيط في موقعي على الأنترنت saadarif.com والذي أثبتُ فيه رقم هاتفي لخدمة الناس أجمعين ولتقديم المشورة في الأمور الجامعة المهمة.
كما أنّي أدعوهم دائمًا لضرورة التفاعل مع اللجان المباركة التي أنشأتها لخدمتهم وخدمة الناس أجمعين، وهي لجانٌ شاملة تُعنى بجميع النواحي التي تهمّ الفرد وأسرته في دينه ودنياه.
والله عزّ وجلّ أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً حتى يرضى.