16/11/2025

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

وصية سيدنا النبي محمد صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم

أن نحفظ بين شفتينا، و بين رجلينا، وأنا أجاهد نفسي على ذلك، واصوم لتهذيب نفسي وكما في حديث النبي محمد صلوات ربي وسلامه الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي يقول فيه:-

{إن من لم يستطع الزواج فعليه بالصيام فإن له وجاء} لكن غالبا ما تثور الرغبة عندي وأفعل العادة السرية وأنا الذي أطبق الصيام ولا آكل كثيرا لأنّ الطعام والشراب الكثير يعزز من العادة.

الاسم: سائل

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكراً جزيلاً لتعلقك بهذا الموقع المبارك.

 

 

الجواب باختصار:-

مجاهدة النفس وتزكيتها واجب شرعي عيني على كل مسلم ومسلمة، وهي وسيلة يتغلب بها المرء على شهوة نفسه التي تطلبها بالحرام.

والزواج وسيلة شرعية عملية لإشباع حاجة النفس في هذا المجال فينبغي طلبه بدون تكلّف ومغالاة، مع التحلّي بتقوى الله تعالى على كل حال، وبهذا لا يعمد المسلم إلى الاستمناء إذ القول الراجح فيه هو التحريم إلا في حال تحقق خوف الوقوع في الزنا من باب ارتكاب أخف الضررين.

 

التفصيل:-

قال تعالى:-

{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [سورة المؤمنون:5-7].

 

وقال الله جلّ جلاله:ـ

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [سورة الطلاق: 4].

 

وقال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) الإمام مسلم رحمه المنعم سبحانه.

 

وفي ضوء هذه الهدايات المباركة ينبغي على المسلم أنْ يتقوّى على أحواله بطاعة الله جلّ ثناؤه، والانشغال بذكره، والصلاة والسلام على رسوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام؛ فالاستغفار والصلوات وسائل روحية عظيمة للتقوى والرزق ورفع الهمم والدرجات، كما أنّ الصوم وسيلة لكبح الشهوات إلى أنْ يأذن الله عزّ وجلّ بتيسير الزواج فهو الوسيلة الناجعة الشرعية لتلبية حاجة النفس، فضلًا عن تقوى الله تعالى التي يجب أن يتحلى بها المسلم في كل أحواله.

 

أمّا الاستمناء فقد تعددت آراء الفقهاء فيه على النحو الآتي:-

القول الأول: يرى الجمهور مِن سادتنا الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة ومَن وافقهم رضي الله تعالى عنهم وعنكم أنّ الاستمناء حرام.

 

قال الإمام الحنفي ابن عابدين رحمه الله جلّ وعلا:-

(الِاسْتِمْنَاءُ حَرَامٌ، وَفِيهِ التَّعْزِيرُ) الدر المختار (4/27).

 

وقال الإمام شهاب الدين أبو العباس المالكي رحمه الله تبارك اسمه:-

(أنّ مَذْهَب مَالِك وَالشّافِعِيّ تَحْرِيْم الاسْتِمْنَاء) شرح زروق على متن الرسالة (2/884).

 

قال الامام الشافعي رحمه العليُّ جلّ في علاه:-

(فَلَا يَحِلُّ الْعَمَلُ بِالذَّكَرِ إلَّا فِي الزَّوْجَةِ أَوْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَلَا يَحِلُّ الِاسْتِمْنَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ) الأم (5/127).

 

قال الإمام أبو إسحاق، برهان الدين الحنبلي رحمه الرحمن سبحانه:-

(وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ حَرُمَ، وَعُزِّرَ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}) المبدع في شرح المقنع (427/7).

 

القول الثاني: يرى الظاهرية أنّ الاستمناء مباح.

قال ابن حزم رحمه الله جلّ ثناؤه:-

(فَلَيْسَ ذَلِكَ حَرَامًا أَصْلًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا فَصَّلَ لَنَا تَحْرِيمَهُ فَهُوَ حَلَالٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] إلَّا أَنَّنَا نَكْرَهُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَلَا مِنْ الْفَضَائِلِ) المحلى (12/407).

 

 

القول الثالث: يرى سادتنا الحنفية في قول والحنابلة في قول، إباحة الاستمناء عند مخافة الزنا، وعدم القدرة على النكاح.

قال الإمام ابن عابدين رحمه ربُّ العالمين جلّ شأنه:-

 

((قَوْلُهُ الِاسْتِمْنَاءُ حَرَامٌ) أَيْ بِالْكَفِّ إذَا كَانَ لِاسْتِجْلَابِ الشَّهْوَةِ، أَمَّا إذَا غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ وَلَيْسَ لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَمَةٌ فَفَعَلَ ذَلِكَ لِتَسْكِينِهَا فَالرَّجَاءُ أَنَّهُ لَا وَبَالَ عَلَيْهِ) الدر المختار(4/27).

 

قال الإمام أبو إسحاق، برهان الدين رحمه الله عزّ اسمه:-

((وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى بَدَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَفِعْلُهُ خَوْفًا عَلَى دِينِهِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحٍ) المبدع في شرح المقنع (427/7).

 

والذي أُرجّحه هو تحريم الاستمناء إلا فِي حال تحقق خوف الوقوع في الزنا مِن باب ارتكاب أخف الضررين.

 

وعلى المسلم أن يُجاهد نفسه، ويستحضر عواقب المعصية ويبتعد عَن كلّ مَا مِن شأنه أثارةُ شهوته مِن النظر المحرم.

 

قال الله تعالى:-

{قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [سُورَةُ النُّورِ: 30].

 

وقال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم في الحديث القُدسي الشريف:-

(إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله الباري.

 

والنظرة هنا بمعنى النظرة المحرمة التي تُثير الشهوات، وهذا يحدث سواء كان النظر في الواقع أم مِن خلال الأجهزة الإلكترونية أو الصور الورقية.

 

ولمزيد فائدة حول مسألة مجاهدة النفس والتخلص مِن تسويلها وسطوتها أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2819) في هذا الموقع الكريم.

 

وفيما يتعلق بخطورة النظر المحرم وأثره السيء على حال القلب أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (210) في هذا الموقع الأغرّ.

 

وممّا يُعين المسلم على الاستقامة ورفع الهمة في الصالحات من الأعمال هو مصاحبة أهل الصلاح والتقوى، والابتعاد عن رفقاء السوء، وأن يشغل نفسه بما ينفعه من الأعمال التي تعود عليه بالنفع المادي كذا ملء فراغ ما تبقى مِن وقته بالرياضات البدنية والفكرية النافعة.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1838) في هذا الموقع الميمون.

والله تقدّست أسماؤه أعلم.

وصلى الله تعالى وسلم على سيّدنا محمّدٍ وآله وصحبه أجمعين.