23/12/2025
نص السؤال:
السلام عليكم سيدي ورحمة الله تعالى وبركاته.
الله يحفظكم ويديمكم سيدي وقرة عيني، وجميع العاملين في هذا الموقع المبارك.
سؤالي هو:-
هل من المستحب تأدية الزكاة أثناء شهر رجب؟
جزاكم الله تعالى عنا كل خير.
الاسم: حسين علي
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى تَعَلُّقِكَ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْمَوْقِعِ الطَّيِّبِ، وَدَعْوَاتِكَ الْكَرِيمَةِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُوَفِّقَكَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَدْفَعَ عَنْكَ كُلَّ ضَيْرٍ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.
الزَّكَاةُ يَصِحُّ أَدَاؤُهَا فِي أَيِّ يَوْمٍ وَشَهْرٍ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَشْهُرِهَا، وَيَتَأَكَّدُ إِخْرَاجُهَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَالْأَوْلَى فِي رَجَبٍ لِأَسْبَابٍ سَأُبَيِّنُهَا.
لَقَدْ عَظَّمَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأَشْهُرَ الحُرُمَ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ:-
{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ التَّوبَةِ: 36].
وَقَالَ سَيِّدُنَا حَضرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ، مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى، وَشَعْبَانَ) الإمَامُ البُخَاريُّ رَحِمَه البَاري سُبْحًانَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-
(قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ والأرض السنة اثنى عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ شَهْرُ مضر الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) أَمَّا ذُو الْقَعْدَةِ فَبِفَتْحِ الْقَافِ وَذُو الْحِجَّةِ بِكَسْرِ الْحَاءِ هَذِهِ اللُّغَةُ الْمَشْهُورَةُ وَيَجُوزُ فِي لُغَةٍ قَلِيلَةٍ كَسْرُ الْقَافِ وَفَتْحُ الْحَاءِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أن الأشهر الْحُرُمَ الْأَرْبَعَةَ هِيَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي الْأَدَبِ الْمُسْتَحَبِّ فِي كَيْفِيَّةِ عَدِّهَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْأَدَبِ يُقَالُ الْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ لِيَكُونَ الْأَرْبَعَةُ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ وَوَاحِدٌ فَرْدٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَعَلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ أَطْبَقَ النَّاسُ مِنَ الطَّوَائِفِ كُلِّهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ هَذَا التَّقْيِيدَ مُبَالَغَةً فِي إِيضَاحِهِ وَإِزَالَةً لِلَّبْسِ عَنْهُ قَالُوا وَقَدْ كَانَ بَيْنَ بَنِي مُضَرَ وَبَيْنَ رَبِيعَةَ اخْتِلَافٌ فِي رَجَبٍ فَكَانَتْ مُضَرُ تَجْعَلُ رَجَبًا هَذَا الشَّهْرَ الْمَعْرُوفَ الْآنَ وَهُوَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ وَكَانَتْ رَبِيعَةُ تَجْعَلُهُ رَمَضَانَ فَلِهَذَا أَضَافَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مُضَرَ وَقِيلَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَقِيلَ إِنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمِّي رَجَبًا وَشَعْبَانَ الرَّجَبَيْنِ وَقِيلَ كَانَتْ تُسَمِّي جُمَادَى وَرَجَبًا جُمَادَيْنِ وَتُسَمِّي شَعْبَانَ رَجَبًا) الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاج (11/167-168).
وَبِالنِّسْبَةِ لِسُؤَالِكَ:
أَوَّلًا: مَعْنَى شَهْرِ رَجَبٍ وَأَسْمَاؤُهُ:
هُوَ أَحَدُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، وَمَعْنَى “الرَّجَبِ” فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّعْظِيمُ، فَقَدْ كَانَ العَرَبُ يُرَجِّبُونَهُ أَيْ يُعَظِّمُونَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا:-
(قَالَ اللُّغَوِيُّونَ: إِنَّمَا سُمِّيَ رَجَبٌ: رَجَبًا، لِتَعْظِيمِ الْعَرَبِ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجَبْتُ الرَّجُلَ أَرْجُبُهُ رَجْبًا: إِذَا أَفْزَعْتَهُ.
وَيُقَالُ: إِنَّمَا سُمِّيَ رَجَبٌ: رَجَبًا، لِتَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُ. مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: عِذْقٌ مُرَجَّبٌ: إِذَا عُمِدَ لِعِظَمِهِ) الزَّاهِرُ فِي مَعَانِي كَلِمَاتِ النَّاسِ (255/2).
وَلَهُ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَكَانَتِهِ، مِنْهَا:
رَجَبُ الفَرْدُ: لِانْفِرَادِهِ عَنِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ الثَّلَاثَةِ المُتَتَابِعَةِ.
الأَصَبُّ: لِأَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْخَيْرَ يُصَبَّانِ فِيهِ صَبًّا، وَيَبْدُو -وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ- أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ هُوَ اعْتِيَادُ النَّاسِ إِخْرَاجَ زَكَوَاتِ أَمْوَالِهِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ مِمَّا يَعُودُ بِالنَّفْعِ وَالْخَيْرِ الْوَفِيرِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
الأَصَمُّ: لِأَنَّهُ لَا يُسْمَعُ فِيهِ قَعْقَعَةُ السِّلَاحِ لِحُرْمَةِ القِتَالِ فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ:-
(وَلِرَجَبٍ أَسْمَاءٌ مِنْهَا:
أَنَّهُ سُمِّيَ رَجَبَ مُضَرَ، وَمُنْصِلَ الْأَسِنَّةِ، وَشَهْرَ اللَّهِ الْأَصَمَّ، وَشَهْرَ اللَّهِ الْأَصَبَّ، وَالشَّهْرَ الْمُطَهَّرَ، وَالشَّهْرَ السَّابِقَ، وَالشَّهْرَ الْفَرْدَ.
أَمَّا قَوْلُهُمْ: رَجَبُ مُضَرَ؛ فَوَصَفَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ -صَلَّى تَعالى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجَبًا بِصِفَتَيْنِ وَقَيَّدَهُ بِنَعْتَيْنِ:
أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ: “رَجَبُ مُضَرَ”؛ لِأَنَّ مُضَرَ كَانَتْ تُبَالِغُ فِي تَعْظِيمِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَحْرِيمِهِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ خَوْفًا مِنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ كَمَا جَرَى فِي تَحْرِيمِ الْمُحَرَّمِ إِلَى صَفَرٍ، فَخَصَّ الشَّهْرَ وَقَيَّدَهُ، وَأَيَّدَ تَحْرِيمَهُ وَأَكَّدَهُ.
وَقِيلَ: إِنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ مُسْتَجَابٌ عَلَى الظَّلَمَةِ، وَكُلِّ جَائِرٍ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يُؤَخِّرُونَ دَعَوَاتِهِمْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُمْ، فَيَدْعُونَ عَلَيْهِ فِي رَجَبٍ فَلَا يُرَدُّ خَائِبًا.
وَأَمَّا مُنْصِلُ الْأَسِنَّةِ، فَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَنْزِعُونَ الْأَسِنَّةَ فِيهِ عَنِ الرِّمَاحِ، وَيُغْمِدُونَ سُيُوفَهُمْ وَسِهَامَهُمْ تَهَيُّئًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ مُنْصِلَ الْأَسِنَّةِ، وَيُقَالُ نَصَلْتُ السَّهْمَ: إِذَا جَعَلْتَ لَهُ نَصْلًا، وَأَنْصَلْتُهُ: إِذَا نَزَعْتَ عَنْهُ نَصْلَهُ.
وَأَمَّا شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ لَمَّا اسْتَهَلَّ رَجَبٌ رَقِيَ الْمِنْبَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَخَطَبَ ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ هَذَا شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، وَهُوَ شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ، ثُمَّ لِيُزَكِّ مَا بَقِيَ.
وَقِيلَ: سُمِّيَ أَصَمَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قَوْمٍ قَطُّ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَذَّبَ الْأُمَمَ الْمَاضِيَةَ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ، وَلَمْ يُعَذِّبْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ فِي هَذَا الشَّهْرِ.
وَأَمَّا الْأَصَبُّ فَمَعْنَاهُ، أَنَّهُ تُصَبُّ الرَّحْمَةُ فِيهِ صَبًّا عَلَى الْعِبَادِ، وَيُعْطِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْمَثُوبَاتِ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
وَأَمَّا الْمُطَهَّرُ فَلِأَنَّهُ يُطَهِّرُ صَائِمَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطِيئَاتِ.
وَأَمَّا السَّابِقُ، فَلِأَنَّهُ أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ.
وَأَمَّا الْفَرْدُ، فَلِأَنَّهُ مُفْرَدٌ عَنْ إِخْوَانِهِ) الْغُنْيَةُ لِطَالِبِي طَرِيقِ الْحَقِّ عَزَّ وَجَلَّ بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ (320/1-326).
وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ حَوْلَ فَضَائِلِ شَهْرِ رَجَبٍ وَحُكْمِ التَّهْنِئَةِ فِيهِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ أَجْوِبَةِ الْأَسْئِلَةِ الْمُرَقَّمَةِ (2424 ،1857 ،1480) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
ثَانِيًا: العمل الجَمَاعِيُّ فِي شَعَائِرِنَا العُظْمَى:
إِنَّ النَّاظِرَ فِي أَرْكَانِ الإِسْلَامِ يَجِدُ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِتُرَسِّخَ مَبْدَأَ “الجَمَاعَةِ”، فَالإِسْلَامُ دِينُ اجْتِمَاعٍ لَا دِينُ انْعِزَالٍ:
فالصَّلَاةُ: مَعَ أَنَّهَا تُؤَدَّى فَرْدِيًّا، إِلَّا أَنَّ التَّأْكِيدَ جَاءَ عَلَى صَلَاةِ الجَمَاعَةِ.
قَالَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَعْلَامِ:-
(صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ جَلَالُهُ.
بَلْ وَجَبَتِ الجُمُعَةُ جَمَاعَةً عَلَى المُسْتَطِيعِ، وَلَا تَصِحُّ مُنْفَرِدَاً قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [سُورَةُ الجُمُعَةِ: 9].
وَ صَلَاةُ العِيدَيْنِ الَّتِي هِيَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ سَادَاتِنَا الْحَنَفِيَّةِ رَحِمَهُمْ رَبُّ الْبَرِيَّةِ جَلَّ شَأْنُهُ، وَسُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ السَّادَةِ الْجُمْهُورِ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ، تُصَلَّى جَمَاعَةً وَهِيَ آكَد؛ وَتَصِحُّ فُرَادَا.
وَالصِّيَامُ: عِبَادَةٌ جَمَاعِيَّةٌ كُبْرَى، حَيْثُ تَمْتَنِعُ الأُمَّةُ كُلُّهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَتُفْطِرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ.
قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ:-
{…وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ ..} [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 187].
وَقَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ) الإمَامُ البُخَاريُّ رَحِمَه اللهُ عَزَّ اسْمُهُ.
والحَجُّ: هُوَ المَظْهَرُ الأَعْظَمُ لِلْجَمَاعَةِ، حَيْثُ تَتَّحِدُ جَمِيعُ أَرْكَانِهِ وَمَنَاسِكِهِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ وَاحِدٍ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.
قال جل شأنه:-
{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: 97].
ثَالِثًا: لِمَاذَا نَجْعَلُ زَكَاتَنَا فِي رَجَبٍ؟
يَرَى خَادِمُكُمْ أَنْ يَكُونَ شَهْرُ رَجَبٍ هُوَ “رَأْسُ الْحَوْلِ” لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ عِدَّةٍ:
١. مُضَاعَفَةُ الْأَجْرِ: لِكَوْنِهِ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي يَعْظُمُ فِيهَا ثَوَابُ الطَّاعَةِ.
٢. سَدُّ الْحَاجَةِ: رَجَبٌ شَهْرٌ قَدْ يَغْفُلُ عَنْهُ بَعْضُ الْمُنْفِقِينَ بَعْدَ انْقِضَاءِ مَوَاسِمِ الصَّدَقَاتِ؛ فَهُوَ شَهْرٌ فَقِيْرٌ، بِخِلَافِ رَمَضَانَ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْبَذْلُ: إِفْطَارُ صَائِمٍ، صَدَقَةُ فِطْرٍ، الْعِيدُ وَالتَّوْسِعَةُ عَلَى النَّاسِ فِيهِ.
قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ الْعَلِيُّ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
وعَنْ الصَّحَابِي الجَلِيلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُم؛ قال:-
(أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى النَّاسِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ) الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَنْهَا وَعَنْكُمْ، قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:-
(يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ.
وَقَدْ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازَ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْأَهْلِ فِي أَيَّامِ الْأَعْيَادِ، بِكُلِّ مَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَيُجِمُّ أَبْدَانَهُمْ مِنْ تَعَبِ الْعِبَادَةِ، مُعْتَبِرِينَ أَنَّ إِظْهَارَ الْفَرَحِ فِي الْعِيدِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ. يُنْظَرُ: شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ لِابْنِ بَطَّالٍ (549/2)، عُمْدَةُ الْقَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ (270/6).
وَهَكَذَا تَكُونُ زَكَاةُ رَجَبٍ عَوْنًا لِلْفُقَرَاءِ فِي وَقْتٍ هُمْ أَحْوَجُ مَا يَكُونُونَ فِيهِ لِلدَّعْمِ.
٣. الِاقْتِدَاءُ بِالْأَثَرِ: وَرَدَ عَنْ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:-
(هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَهُ حَتَّى تَحْصُلَ أَمْوَالُكُمْ فَتُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ)
ويَأْمُرُ السُّعَاةَ بِجَمْعِ الصَّدَقَاتِ لِتُورَدَّ إِلَى الْفُقَرَاءِ.
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الزُّرْقَانِيُّ الْمِصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ:-
(وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَطِيبًا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: (هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ) قِيلَ: الْإِشَارَةُ لِرَجَبٍ) شَرْحُ الزُّرْقَانِيِّ عَلَى مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ (156/2).
قَالَ الْإِمَامُ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ الْحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:-
(قَوْلُهُ: (خَطِيبًا) حَالٌ مِنْ عُثْمَانَ، وَيُرْوَى: (خَطَبَنَا)، بِنُونِ الْمُتَكَلِّمِ مَعَ غَيْرِهِ بِلَفْظِ الْمَاضِي أَيْ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ «الْأَمْوَالِ» مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَزَادَ فِيهِ يَقُولُ: «هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّهِ…» الْحَدِيثَ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ أَرَادَ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَجَاءَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ) عُمْدَةُ الْقَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ (60/25).
4- بالِتَأَمُّلِ للسِّيَاقِ القُرْآنِيِّ، نَجِدُ أَنَّ الآيَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ ذِكْرَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ قَدْ أَفَاضَتْ فِي الحَدِيثِ عَنِ الزَّكَاةِ، وَحَذَّرَتْ مِنْ مَنْعِهَا وَكَنْزِ الأَمْوَالِ؛ فَمِنْ نَظْمِ سُورَةِ التَّوْبَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الحَدِيثَ عَنِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ جَاءَ مُكْتَنَفًا بِأَحْكَامِ الصَّدَقَاتِ.
لِذَا، فَحَرِيٌّ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَتَفَقَّهَ مِن سِيَاقِ الآيَاتِ، فَيَجْعَلَ رَأْسَ حَوْلِهِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ -وَهُوَ الأَوْلَى- مما سِوَاهُ مِنَ الأَشْهُرِ الحُرُمِ، إِذْ إِنَّ بَقِيَّةَ الأشهر إِمَّا أَنَّهَا غَنِيَّةٌ بِذَاتِهَا بِمَوَاسِمِ الخَيْرِ، أَوْ أَنَّهَا مُجَاوِرَةٌ لِأَزْمِنَةٍ يَفِيضُ فِيهَا البَذْلُ.
وَلِهَذَا التَّرْجِيحِ، أَرْجُو مِنْ كُلِّ مَنْ تَشَرَّفَ بِخِدْمَةِ الْمَنَابِرِ وَكَرَاسِيِّ الْوَعْظِ أَنْ يَحُثَّ الْمُسْلِمِينَ لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، حَتَّى لِأُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَحُلْ عَلَيْهِمُ الْحَوْلُ، فَالْمُسَابَقَةُ وَالْمُسَارَعَةُ فِي الْخَيْرَاتِ وَإِسْعَافُ الْأُمَّةِ وَخَاصَّةً فِي وَقْتِ الْأَزَمَاتِ مَرْغُوبٌ وَمَطْلُوبٌ.
وَأَخُصُّ مِنْ هَؤُلَاءِ تَلَامِيذِي وَطُلَّابِي الَّذِينَ تَشَرَّفُوا بِالْخِدْمَةِ فِي الْمَسَاجِدِ.
وَلِمَزِيدِ اطِّلَاعٍ حَوْلَ رَأْي خَادِمِكُم لِمَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ؛ أَرْجُو الِاسْتِمَاعَ لِسِلْسِلَةِ (مِنَنِ الرَّحْمَنِ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ)، وَبِالتَّحْدِيدِ مُحَاضَرَتَيِ (حِكْمَةِ1، حِكْمَةِ2) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْأَغَرِّ.
وَاللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا حَتَّى يَرْضَى.