12/4/2026
نص السؤال:
سيدي حضرة الشيخ حفظكم الله من كل سوء
سيدي خادمكم يشعر أن قلبه متعلق بالأسباب المادية كما أنني أخاف مِن البلاء؛ والفقير بفضل الله ملتزم بالأوراد، وقد درست العقيدة وأعلم أنّ النافع والضار هو الله تعالى وحده؛ لكن كيف أُنقّي قلبي وأكون من أهل التسليم.
نفعنا الله بكم
الاسم: سائل
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَشْكُرُ تَوَاصُلَكَ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ، وَدَعَوَاتِكَ الطَّيِّبَةَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبَكَ بِنُورِ الْيَقِينِ، وَأَنْ يُغْنِيَكَ بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا وَإِيَّاكَ صِدْقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَحُسْنَ الظَّنِّ بِهِ، وَيَرْفَعَ عَنَّا حُجُبَ الْأَسْبَابِ لِنَشْهَدَ مُسَبِّبَ الْأَسْبَابِ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
مَا تَشْعُرُ بِهِ يَا وَلَدِي هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ “عِلْمِ الِاعْتِقَادِ” وَ “حَالِ التَّسْلِيمِ”؛ فَعِلْمُكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ هُوَ الْفَاعِلُ (عَقِيدَةٌ)، وَشُعُورُ قَلْبِكَ بِذَلِكَ (يَقِينٌ)، وَالْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا تُقْطَعُ بِصِدْقِ اللَّجُوءِ إِلَى الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ.
وَعِلَاجُ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ لَيْسَ بِتَرْكِهَا، بَلْ بِمُبَاشَرَتِهَا بِالْجَوَارِحِ طَاعَةً لِلْأَمْرِ، وَتَعْلِيقِ الْقَلْبِ بِمُسَبِّبِهَا إِيمَانًا بِالْقَدَرِ.
إِنَّ هَذِهِ الْمُشْكِلَةَ الَّتِي ذَكَرْتَهَا هِيَ عَقَبَةٌ يَمُرُّ بِهَا السَّالِكُونَ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِتَجَاوُزِهَا لَا بُدَّ مِنِ اسْتِحْضَارِ حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ، أُوجِزُهَا لَكَ فِي النُّقَاطِ الْآتِيَةِ:
أَوَّلًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالذَّوْقِ (الطُّمَأْنِينَةُ):
فَلَا تَحْزَنْ يَا وَلَدِي وَلَا تَظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوءَ، فَكَوْنُكَ تَعْلَمُ الْعَقِيدَةَ وَلَا تَجِدُ أَثَرَهَا الْكَامِلَ فِي السَّكِينَةِ الْقَلْبِيَّةِ، لَا يُخْرِجُكَ عَنْ مَرَاتِبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَكِنَّكَ تَحْتَاجُ إِلَى دَوَامِ النَّظَرِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ الْقَلْبُ، وَهَذَا يَأْتِي مَعَ الزَّمَنِ وَالْمُجَاهَدَةِ إنْ شَاءَ اللهِ تَعَالَى.
ثَانِيًا: الْمُعَادَلَةُ الدَّقِيقَةُ لِلتَّعَامُلِ مَعَ الْأَسْبَابِ:
إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْغَرَّاءَ وَأَحْوَالَ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ لَا يَتَعَارَضَانِ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ تَقُولُ: (الِاعْتِمَادُ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى تَوْفِيقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَلُطْفِهِ مَعَ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ تَأَدُّبًا مَعَ وَاضِعِ الْأَسْبَابِ).
فَالْجَوَارِحُ تَعْمَلُ، وَالْقُلُوبُ تَتَوَكَّلُ.
وَقَدْ كَانَ حَضْرَةُ النَّبِيِّ الْأَكْرَمِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ سَيِّدَ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ:
لَبِسَ الدُّرُوعَ فِي الْحَرْبِ (أَخْذًا بِالسَّبَبِ).
وَادَّخَرَ الْقُوتَ لِأَهْلِهِ (أَخْذًا بِالسَّبَبِ).
وَتَدَاوَى وَأَمَرَ بِالتَّدَاوِي (أَخْذًا بِالسَّبَبِ).
لَكِنَّ قَلْبَهُ الشَّرِيفَ لَمْ يَكُنْ يَلْتَفِتُ إِلَى الدِّرْعِ وَلَا إِلَى الدَّوَاءِ، بَلْ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَحْدَهُ.
فَعِلَاجُكَ لَيْسَ فِي تَرْكِ الْأَسْبَابِ، بَلْ فِي أَنْ تَشْهَدَ أَنَّ حَرَكَةَ السَّبَبِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُسَبِّبِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
ثَالِثًا: عِلَاجُ الْخَوْفِ مِنَ الْبَلَاءِ:
إِنَّ الْخَوْفَ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ أَوِ الْفَقْرِ أَوِ الْمَرَضِ يَنْشَأُ مِنَ الْغَفْلَةِ عَنْ حِكْمَةِ وَرَحْمَةِ الْمُدَبِّرِ تَبَارَكَتْ أَوْصَافُهُ الْعَلِيَّةُ. وَعِلَاجُهُ فِي اسْتِحْضَارِ وَصِيَّةِ سَيِّدِنَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِلصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمَا وَعَنْكُمْ، فَهِيَ التِّرْيَاقُ لِهَذَا الدَّاءِ:
(قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: (يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ: أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.
فَإِذَا رَسَخَ فِي قَلْبِكَ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، اسْتَرَاحَ قَلْبُكَ، وَعَلِمْتَ أَنَّ قَلَقَكَ لَنْ يَمْنَعَ مَقْدُورًا، وَلَنْ يَجْلِبَ مَفْقُودًا.
وَسَلِّمْ أَمْرَكَ إِلَى اللَّهِ الْبَرِّ الرَّحِيمِ الْكَرِيمِ فَهُوَ أَوْلَى وَأَرْحَمُ بِكَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ تَدَابِيرِكَ.
وَكَمَا قَالَ الْإِمَامُ الرَّوَّاسُ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ:
سَلِّمِ الْأَمْرَ إِلَى اللَّهِ *** وَدَعْ وَصْمَةَ غَافِلْ
وَارْفَعِ الْأَمْرَ إِلَيْهِ *** وَالَّذِي قُدِّرَ حَاصِلْ
وَلَدَى الْأَمْرَيْنِ حَقًّا *** لَيْسَ إِلَّا اللَّهُ فَاعِلْ
ثِقْ بِهِ وَاتْرُكْ سِوَاهُ *** وَارْبُطَنْ فِيهِ الْوَسَائِلْ
وَخُذِ الْهَادِي إِمَامًا *** فَهُوَ بُرْهَانُ الدَّلَائِلْ
صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
رَابِعًا: التَّدْرِيبُ عَلَى التَّسْلِيمِ:
بِمَا أَنَّكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مُلْتَزِمٌ بِالْأَوْرَادِ، فَأَضِفْ إِلَيْهَا إِنْ وَقَعَ فِي قَلْبِكَ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ:-
{قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 51].
فَكَلِمَةُ (لَنَا) تُشْعِرُ بِالرَّحْمَةِ، أَيْ أَنَّ مَا يَكْتُبُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى لَوْ ظَاهِرُهُ بَلَاءٌ، فَهُوَ (لَنَا) أَيْ: لِمَصْلَحَتِنَا فِي الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ (عَلَيْنَا)، وَهُوَ مَوْلَانَا مُتَوَلِّي بِرَحْمَتِهِ شُؤُونَنَا، فَهُوَ الْمَلَاذُ الَّذِي نَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَنُسْنِدُ أُمُورَنَا إِلَيْهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.
خَامِسًا:- مَقَامُ الرَّابِطَةِ وَشُهُودِ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ:
وَمِمَّا يُعِينُ السَّالِكَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَقَامِ التَّسْلِيمِ دَوَامُ الرَّابِطَةِ مَعَ مُرْشِدِهِ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ-؛ فَالرَّابِطَةُ تَمْنَحُ قَلْبَكَ أَنْوَارًا بَهِيَّةً وَعُلُومًا لَدُنِّيَّةً، وَبِهَا يَقْوَى قَلْبُكَ عَلَى الْحُضُورِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْقَى لِيُشَاهِدَ تَجَلِّيَ أَفْعَالِهِ فِي الْأَكْوَانِ، وَحِينِئِذٍ يَشْهَدُ قَلْبُكَ فِعْلَ اللَّهِ تَعَالَى الظَّاهِرَ حَقِيقَةً، وَالْمَحْجُوبَ بِأَفْعَالِ الْمَخْلُوقَاتِ وَاقِعًا، قَالَ تَعَالَى:-
{فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَیۡتَ إِذۡ رَمَیۡتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِیُبۡلِیَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡهُ بَلَاۤءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ} [سُورَةُ الْأَنفَالِ: 17].
وَبِهَذَا تَلْتَزِمُ الْجَوَارِحُ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ تَكْلِيفًا وَيَشْهَدُ الْقَلْبُ أَنْوَارَ الْحَقِيقَةِ فَضْلًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَكْرِيمًا، وَهَذَا مَقَامٌ شَرِيفٌ يَمُنُّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ سِجْنِ وُجُودِهِمْ إِلَى فَضَاءِ شُهُودِهِ -جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ- فَنَالُوا مَرَاتِبَ التَّسْلِيمِ الْعَلِيَّةَ مَعَ شَرَفِ إِتْمَامِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَلِمَزِيدٍ مِنَ الْبَيَانِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3184، 3185) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.