18/6/2026

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

مرحبا شيخنا العزيز، انا عندي استفسار يحيرني: في كل مرة ادعي الله ليرزقني او لتيسير امري أحس انه لا يجوز ادعي هذا الشيء وأحس انه هذا الشي استغلال في الصلاة، لذلك بكل مرة أصلي فيها وادعو الله اقول “يا رب إنك اعلم ما في قلبي” ولا ادعي أكثر من ذلك وكذلك في بعض الاحيان أحس قلبي يتعب من كثرة الدعاء و الآمال و حسن الظن لأن في كل مرة ظني يخيب في كثير من الأمور.. بشكل عام أحس بالتعب كل مرة ادعي فيها بالرزق او بالتيسير للأمور و المشاكل.. فماذا أفعل بهذا الحال؟

 

الاسم: سائل

 

 

الرَّدُّ:-

 

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

وَحَيَّاكُمُ اللَّهُ يَا ابْنَتِي الْكَرِيمَةَ.

أَسْأَلُ اللَّهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُزِيلَ هَمَّكِ، وَيَشْرَحَ صَدْرَكِ، وَيُنَوِّرَ بَصِيرَتَكِ، وَأَنْ يَرْزُقَكِ حَلَاوَةَ الْمُنَاجَاةِ، وَلَذَّةَ الْقُرْبِ، وَأَنْ يُبَدِّلَ تَعَبَكِ رَاحَةً، وَيَأْسَكِ طُمَأْنِينَةً، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

مَا تَشْعُرِينَ بِهِ مِنْ حَرَجٍ عِنْدَ طَلَبِ الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ هُوَ مِنْ “تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ” لِيَحْرِمَكِ مِنْ أَجْرِ الدُّعَاءِ؛ فَاللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْمِلْحَ لِلطَّعَامِ. وَأَمَّا تَعَبُ الْقَلْبِ وَتَأَخُّرُ الْإِجَابَةِ، فَسَبَبُهُ أَنَّنَا نَدْعُو وَنَحْنُ “نَخْتَبِرُ” الْمَوْلَى الْكَرِيمَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَيَنْبَغِي أَنْ نَدْعُوَهُ وَنَحْنُ “نَتَعَبَّدُ” لَهُ فِي دَعَوَاتِنَا، وَنُوقِنَ أَنَّهُ يَخْتَارُ لَنَا أَنْجَحَ السُّبُلِ؛ وَعِلَاجُ ذَلِكَ فِي تَغْيِيرِ النِّيَّةِ وَفَهْمِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي الْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

اعْلَمِي يَا ابْنَتِي الْمُبَارَكَةَ أَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ مُخُّ الْعِبَادَةِ، وَأَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ تَقُومُ عَلَى “الِافْتِقَارِ وَالتَّذَلُّلِ”، فَكُلَّمَا أَظْهَرْتِ حَاجَتَكِ لِلَّهِ كُنْتِ أَقْرَبَ إِلَيْهِ. وَقَدْ فَصَّلْتُ لَكِ الْجَوَابَ فِي نِقَاطٍ لِتَصْحِيحِ هَذِهِ الْمَفَاهِيمِ الَّتِي تُثْقِلُ قَلْبَكِ:-

أَوَّلًا:- طَلَبُ الدُّنْيَا فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ “اسْتِغْلَالًا” بَلْ هُوَ قِمَّةُ الْعُبُودِيَّةِ:

إِنَّ شُعُورَكِ بِأَنَّ الدُّعَاءَ لِلرِّزْقِ أَوِ التَّيْسِيرِ هُوَ “اسْتِغْلَالٌ لِلصَّلَاةِ” شُعُورٌ غَيْرُ صَحِيحٍ شَرْعاً، فَالصَّلَاةُ صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمَوْلَاهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَلِكُ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ، وَالْعَبْدُ الْفَقِيرُ يَطْلُبُ مِنَ الْمَلِكِ كُلَّ حَاجَاتِهِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا.

1- يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى آمِراً عِبَادَهُ بِالسُّؤَالِ:-

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 60].

لَاحِظِي أَنَّهُ سَمَّى الدُّعَاءَ “عِبَادَةً”، فَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ الرِّزْقَ فَقَدْ عَبَدَهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ الشِّفَاءَ فَقَدْ عَبَدَهُ، وَلِهَذَا عَلَّمَنَا تَعَالَى بَعْضَ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى:-

{وَمِنهُم مَن يَقولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنيا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ * أولئك لَهُم نَصيبٌ مِمّا كَسَبوا وَاللَّهُ سَريعُ الحِسابِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 201-202].

2- وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَعَنْ سَيِّدُنَا أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ: قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(ليَسألْ أحدُكم ربَّهُ حاجَتَه، حتّى يسألَهُ الملحَ، وحتّى يسألَهُ شَسعَ نعلِهِ إذا انقَطعَ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

فَهَلْ طَلَبُ الْمِلْحِ لِلطَّعَامِ وَشِسْعِ النَّعْلِ (رِبَاطِ الْحِذَاءِ) أَمْرٌ دِينِيٌّ؟ لَا، بَلْ دُنْيَوِيٌّ بَحْتٌ، وَمَعَ ذَلِكَ أُمِرْنَا بِطَلَبِهِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ الْأَكْرَمِينَ تَبَارَكَ اسْمُهُ، وَلِنَبْقَى مُرْتَبِطِينَ بِهِ فِي كُلِّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا، وَلِنَعْلَمَ افْتِقَارَنَا إِلَيْهِ، وَرُجُوعَ جَمِيعِ حَوَائِجِنَا إِلَيْهِ.

ثَانِيًا:- قَوْلُكِ “أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِي” قَوْلٌ صَحِيحٌ وَهُوَ بَعْضُ أَحْوَالِ بَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي قَوْلِهِمْ: “عِلْمُهُ تَعَالَى بِحَالِي يُغْنِيهِ عَنْ سُؤَالِي”، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي عَدَمَ التَّصْرِيحِ وَالْبَوْحِ:

صَحِيحٌ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَلَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ “يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ”، وَيُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَ عَبْدِهِ وَهُوَ يَنْكَسِرُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُسَمِّي حَاجَاتِهِ

* انْظُرِي إِلَى أَحْوَالِ الْكُمَّلِ مِنَ الْخَلْقِ وَهُمْ سَادَتُنَا الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، هَلِ اكْتَفَوْا بِعِلْمِ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ؟

هَذَا سَيِّدُنَا زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا وَطَلَبَ “الْوَلَدَ”، فَقَالَ:-

{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [سُورَةُ السَّيِّدَةِ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: 5-6].

وَهَذَا سَيِّدُنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ طَلَبَ تَيْسِيرَ الْأَمْرِ بِوُضُوحٍ:-

{رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي* هَارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي* كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا* وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا* إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} [سُورَةُ سَيِّدِنَا طه عَلَيْهِ السَّلَامُ: 25-35].

وَهَذَا أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ، يَسْأَلُهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ: كَيْفَ أَقُولُ حِينَ أَسْأَلُ رَبِّي؟ فَأَجَابَهُ عَلَيْهِ أَزْكَى صَلَاةٍ وَسَلَامٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ:-

(قُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وارْحَمْنِي، وَعافِنِي، وارْزُقْنِي. وَيَجْمَعُ أَصابِعَهُ إلّا الإبْهامَ؛ فإنَّ هَؤُلاءِ تَجْمَعُ لكَ دُنْياكَ وَآخِرَتَكَ) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

فَالتَّصْرِيحُ بِالْحَاجَاتِ هُوَ إِظْهَارٌ لِلذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ، وَالسُّكُوتُ عَنْهَا بِحُجَّةِ “الْعِلْمِ الْمُسْبَقِ” قَدْ يَكُونُ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الْكِبْرِ الْخَفِيِّ أَوِ الِاسْتِغْنَاءِ.

ثَالِثًا:- عِلَاجُ “تَعَبِ الْقَلْبِ” وَخَيْبَةِ الظَّنِّ (أَنْ تَتَعَلَّمِي فِقْهَ الْإِجَابَةِ):

إِنَّ شُعُورَكِ بِالتَّعَبِ وَالْإِحْبَاطِ سَبَبُهُ أَنَّكِ رَبَطْتِ الدُّعَاءَ بِـ “الِاسْتِجَابَةِ الْفَوْرِيَّةِ” فَقَطْ، وَهَذَا خَطَأٌ فِي فَهْمِ التَّعَامُلِ مَعَ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ.

يَجِبُ أَنْ تَعْلَمِي أَنَّ “حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ” لَيْسَ مَعْنَاهُ الْجَزْمَ بِأَنَّهُ سَيُعْطِيكِ (عَيْنَ مَا طَلَبْتِ) فِي (الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّدْتِ)، بَلْ حُسْنُ الظَّنِّ هُوَ الْيَقِينُ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَخْتَارُ لَكِ الْأَفْضَلَ.

وَقَدْ بَيَّنَ حَضْرَةُ النَّبِيِّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابٌ لَا مَحَالَةَ، وَلَكِنْ بِصُوَرٍ ثَلَاثٍ.

فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ، أَنَّ سَيِّدَنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ:-

(مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ، وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الصَّمَدُ جَلَّ وَعَلَا.

فَيَا ابْنَتِي، لَا يُوجَدُ دُعَاءٌ يَضِيعُ! إِمَّا أَنْ تَأْخُذِيهِ الْآنَ، أَوْ يُدْفَعَ عَنْكِ بِهِ بَلَاءٌ (مُصِيبَةٌ كَانَتْ سَتَنْزِلُ فَمَنَعَهَا الدُّعَاءُ)، أَوْ تَجِدِينَهُ جِبَالاً مِنَ الْحَسَنَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا تَكُونِينَ إِلَيْهَا. فَهَلْ يَخِيبُ ظَنُّ مَنْ يُعَامِلُ كَرِيماً رَحِيماً؟

رَابِعاً:- النَّصِيحَةُ الْعَمَلِيَّةُ:

1- ادْعِ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ وَأَنْتِ مُوقِنَةٌ أَنَّكِ فِي “عِبَادَةٍ”، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ النَّتِيجَةِ، فَمُجَرَّدُ وُقُوفِكِ بِبَابِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَذَلُّلِكِ بَيْنَ يَدَيْهِ هُوَ شَرَفٌ مَا أَعْظَمَهُ مِنْ شَرَفٍ.

2- اجْمَعِي فِي دُعَائِكِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَا تَجْعَلِي الدُّنْيَا هِيَ غَايَةَ طُمُوحِكِ، فَقُولِي بِقَلْبٍ مُوقِنٍ: “يَا رَبِّ، إِنِّي فَقِيرَةٌ لِفَضْلِكَ، ذَلِيلَةٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَمَا كَانَ لِي فِيهِ خَيْرٌ فَيَسِّرْهُ لِي وَعَجِّلْهُ، وَمَا كَانَ شَرّاً فَاصْرِفْهُ عَنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ”.

3- إِذَا تَأَخَّرَ الْمَطْلُوبُ، فَاعْلَمِي أَنَّ اللَّهَ جَلّتْ صِفَاتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَكِ أَكْثَرَ، أَوْ أَنَّهُ يُرَبِّي قَلْبَكِ عَلَى الصَّبْرِ، أَوْ أَنَّهُ يُخَبِّئُ لَكِ الْأَجْمَلَ، كَمَا قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ السَّكَنْدَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِي حِكَمِهِ الْقَيِّمَةِ:-

(لا يَكُنْ تَأَخُّرُ أَمَدِ العَطَاءِ مَعَ الإِلْحَاحِ فِي الدُّعَاءِ مُوجِباً لِيَأْسِكَ؛ فَهُوَ ضَمِنَ لَكَ الإِجَابَةَ فِيمَا يَخْتَارُهُ لَكَ، لاَ فِيمَا تَخْتَارُهُ لِنَفْسِكَ، وَفِي الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ، لاَ فِي الوَقْتِ الَّذِي تُرِيدُ).

خَامِسًا:- الْوَصِيَّةُ:

أُوصِيكِ يَا بُنَيَّتِي أَنْ لَا تَأْخُذَ الدُّنْيَا مِنْ تَفْكِيرِكِ الشَّيْءَ الْكَثِيرَ، وَاعْلَمِي أَنَّ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكِ فَهُوَ مَا سَيُصِيبُكِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، فَقَدْ قَالَ حَضْرَةُ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، لِسَيِّدِنَا ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-

(يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الطُّمَأْنِينَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْيَقِينَ بِحِكْمَةِ وَتَدْبِيرِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَأَنَّهُ يُدَبِّرُ لِعَبْدِهِ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَفَلَاحُهُ.

وَأَخْتِمُ هَذَا الجَوَابَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ الْحَكِيمِ:-

لاَ تَسْأَلَنَّ بَنِي آدَمَ حَاجَةً                   وَسَلِ الَّذِي أَبوَابُه لاَ تُحْجَبُ

اللهُ يَغْضَبُ إِن تَرَكْتَ سُؤَالَهُ             وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3184، 3273) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْأَغَرِّ.

وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.