22/7/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الله يحفظكم ويديمكم سيدي وقرة عيني أدام الله نفعكم في الدارين آمين.
سؤالي هو:-
“لماذا أشعر أحيانًا بالضيق عندما أرى الله يرزق غيري بالمال أو النعم، فأقول في نفسي: لماذا ليس أنا؟ مع أنني لا أتمنى زوال النعمة منهم، وهل يعدّ هذا حسداً؟ وكيف أتخلص من هذا الشعور؟ خاصةً أن هذا الشعور يتعبني جدًا ويجعلني مهمومة وجزاكم الله تعالى خيرا
الاسم: سائلة
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
وَحَيَّاكُمُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَا ابْنَتِي الْكَرِيمَةَ، وَبَارَكَ فِيكُمْ، وَشَكَرَ لَكُمْ هَذَا الْحِرْصَ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَنَقَاءِ السَّرِيرَةِ.
أَسْأَلُ اللهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُطَهِّرَ قَلْبَكِ مِنْ كُلِّ هَمٍّ وَضِيقٍ، وَأَنْ يَمْلَأَهُ بِالرِّضَا وَالنُّورِ وَالْيَقِينِ، وَأَنْ يَرْزُقَكِ مِنْ وَاسِعِ فَضْلِهِ، وَيُغْنِيَكِ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِهِ، وَبِطَاعَتِهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَبِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
مَا تَشْعُرِينَ بِهِ يَا ابْنَتِي الْكَرِيمَةَ لَيْسَ “الْحَسَدَ الْمَذْمُومَ” الْمُهْلِكَ عِيَاذًا بِاللهِ تَعَالَى، مَا دُمْتِ لَا تَتَمَنَّيْنَ زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنِ الْآخَرِينَ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ (الْغِبْطَةِ) خَالَطَهَا ضَعْفٌ بَشَرِيٌّ وَشُعُورٌ بِـ (الْحَسْرَةِ).
وَلَكِنَّ الْخَطَرَ يَكْمُنُ فِي قَوْلِكِ: (لِمَاذَا لَيْسَ أَنَا؟) إِنْ كَانَ فِيهِ اعْتِرَاضٌ خَفِيٌّ عَلَى حِكْمَةِ اللهِ فِي التَّوْزِيعِ. وَعِلَاجُ هَذَا الضِّيقِ يَكُونُ بِالْيَقِينِ بِأَنَّ حِكْمَةَ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي (الْمَنْعِ) هِيَ عَيْنُ الْعَطَاءِ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَكِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَبِالدُّعَاءِ بِالْبَرَكَةِ لِمَنْ رَأَيْتِ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ.
اعْلَمِي يَا ابْنَتِي الْمُبَارَكَةَ أَنَّ سُؤَالَكِ يَنِمُّ عَنْ نَفْسٍ لَوَّامَةٍ تَخَافُ اللهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ وَتَرْجُو مَرْضَاتَهُ، وَمَا يَعْتَرِي قَلْبَكِ هُوَ مِنْ مُحَاوَلَاتِ الشَّيْطَانِ لِتَنْغِيصِ حَيَاتِكِ وَإِدْخَالِ الْحُزْنِ عَلَيْكِ، وَلِعِلَاجِ هَذَا الْعَارِضِ أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْكِ هَذِهِ النِّقَاطَ وَفْقَ هَدْيِ حَضْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ:-
أَوَّلًا:- التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ الْحَسَدِ وَالْغِبْطَةِ:
الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ شَرْعًا وَالَّذِي يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، هُوَ: (تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ)، سَوَاءٌ تَمَنَّيْتِ انْتِقَالَهَا إِلَيْكِ أَمْ لَا. وَبِمَا أَنَّكِ قُلْتِ فِي سُؤَالِكِ: “لَا أَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ مِنْهُمْ”، فَأَبْشِرِي، فَهَذَا يُسْقِطُ عَنْكِ إِثْمَ الْحَسَدِ. أَمَّا تَمَنِّي مِثْلِ مَا عِنْدَ الْآخَرِينَ دُونَ تَمَنِّي زَوَالِهِ عَنْهُمْ، فَيُسَمَّى (غِبْطَةً)، وَهُوَ أَمْرٌ مُبَاحٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمُسْتَحَبٌّ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْخَيْرَاتِ.
فَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَالْمُرَادُ بِالْحَسَدِ هُنَا: الْغِبْطَةُ وَالْمُنَافَسَةُ الْمَحْمُودَةُ.
ثَانِيًا:- خَطَرُ كَلِمَةِ “لِمَاذَا لَيْسَ أَنَا؟” (الِاعْتِرَاضُ الْخَفِيُّ):
إِنَّ الضِّيقَ الَّذِي يَعْتَصِرُ قَلْبَكِ يَنْبَعُ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ، وَهُوَ سُؤَالٌ يَفْتَحُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ سُوءِ الظَّنِّ بِاللهِ عَزَّ اسْمُهُ؛ لِأَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ الْخَبِيرُ الْبَصِيرُ، قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ لَا نُدْرِكُهَا نَحْنُ بِعُقُولِنَا الْقَاصِرَةِ.
يَقُولُ الْحَقُّ تَبَارَكَ اسْمُهُ رَادًّا عَلَى مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى قِسْمَتِهِ:-
{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ثُمَّ يُبَيِّنُ سُبْحَانَهُ تَفَرُّدَهُ بِالْقِسْمَةِ فَيَقُولُ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: 32].
فَالَّذِي أَعْطَى غَيْرَكِ لَمْ يَنْسَكِ، وَلَكِنَّهُ أَعْطَاهُمْ لِحِكْمَةٍ، وَمَنَعَكِ لِحِكْمَةٍ.
ثَالِثًا: الْحِرْصُ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
قَدْ بَيَّنَ الْمَوْلَى جَلَّ فِي عُلَاهُ الْعَدِيدَ مِنَ الْقِصَصِ الَّتِي تُعَلِّمُ الْإِنْسَانَ مُعَالَجَةَ هَذَا الشَّغَفِ بِالْعَاجِلَةِ الزَّائِلَةِ فَمِنْ ذَلِكَ قِصَّةُ قَارُونَ الَّذِي مَلَكَ الْكُنُوزَ وَالْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ لَكِنَّهَا كَانَتْ وَبَالًا عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى:-
{فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 79-80].
فَالْحِرْصُ عَلَى الثَّوَابِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ دَأْبُ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَسَابِقِينَ فِي الْخَيْرَاتِ.
رَابِعًا:- حِكْمَةُ اللهِ فِي الْمَنْعِ (الْمَنْعُ هُوَ عَيْنُ الْعَطَاءِ):
قَدْ تَظُنِّينَ أَنَّكِ لَوْ رُزِقْتِ هَذَا الْمَالَ أَوْ تِلْكَ النِّعْمَةَ لَسَعِدْتِ، وَلَكِنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ الْمُعَيَّنَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا لِفَسَادِ دِينِكِ أَوْ طُغْيَانِكِ، فَيَحْمِيهَا عَنْكِ كَمَا يَحْمِي الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ مِنَ الطَّعَامِ الْمُضِرِّ.
يَقُولُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا مُبَيِّنًا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْكُبْرَى:-
{وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [سُورَةُ الشُّورَى: 27].
يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ عَطَاءِ اللهِ السَّكَنْدَرِيُّ رَحِمَهُ الْمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا:- (رُبَّمَا أَعْطَاكَ فَمَنَعَكَ، وَرُبَّمَا مَنَعَكَ فَأَعْطَاكَ، وَمَتَى فَتَحَ لَكَ بَابَ الْفَهْمِ فِي الْمَنْعِ، عَادَ الْمَنْعُ عَيْنَ الْعَطَاءِ) الْحِكَمُ الْعَطَائِيَّةُ ص260.
فَإِذَا فَهِمْتِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى مَنَعَكِ لِيَرْحَمَكِ، زَالَ الضِّيقُ وَتَحَوَّلَ إِلَى رِضًا.
خَامِسًا:- الْوَصْفَةُ الْعَمَلِيَّةُ (مَاذَا تَفْعَلِينَ عِنْدَ رُؤْيَةِ النِّعْمَةِ عَلَى غَيْرِكِ؟):
لِلتَّخَلُّصِ مِنْ هَذَا الضِّيقِ وَالتَّعَبِ النَّفْسِيِّ، طَبِّقِي هَذَا الْمَنْهَجَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ:
1- النَّظَرُ إِلَى مَنْ هُوَ أَدْنَى: دَرِّبِي عَيْنَكِ عَلَى رُؤْيَةِ الْمَحْرُومِينَ وَالْمُبْتَلَيْنَ مِنَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ طَعَامًا وَلَا سَكَنًا أَوْ مِنَ الْمَرْضَى الَّذِينَ لَا يَقْوُونَ عَلَى أَكْلٍ وَشُرْبٍ عَافَاهُمُ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَهَذَا التِّرْيَاقُ الْأَعْظَمُ لِدَاءِ السُّخْطِ.
عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:- (انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
2- الدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ: إِذَا رَأَيْتِ نِعْمَةً عَلَى أَحَدٍ وَوَجَدْتِ فِي قَلْبِكِ شَيْئًا، فَجَاهِدِي نَفْسَكِ وَادْعِي لَهُ بِالْبَرَكَةِ فَوْرًا (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ وَزِدْهُ مِنْ فَضْلِكَ).
هَذَا الدُّعَاءُ يَكْسِرُ حَظَّ النَّفْسِ، وَيَجْلِبُ لَكِ الْخَيْرَ، فَالْمَلَكُ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِكِ وَيَقُولُ: (وَلَكَ بِمِثْلٍ) كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ شَأْنُهُ.
3- سُؤَالُ اللهِ مِنْ فَضْلِهِ: بَدَلًا مِنَ التَّحَسُّرِ وَالْقَوْلِ “لِمَاذَا هُمْ؟”،حَوِّلِي هَذِهِ الطَّاقَةَ إِلَى سُؤَالِ الْمُعْطِي الْمَنَّانِ، قَالَ جَلَّتْ صِفَاتُهُ:-
{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 32].
فَاسْأَلِي اللهَ الْكَرِيمَ الَّذِي لَا تَنْفَدُ خَزَائِنُهُ، وَسَيُرْضِيكِ بِفَضْلِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَكِ.
وَأَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَيْنِ الْمُرَقَّمَيْنِ (3273، 1923) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.