3/9/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:-

 السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ.

سَيِّدِي حَضْرَةَ الشَّيْخِ، أَدْعُو الله تعالى أَنْ تَكُونَ بِخَيْرٍ وَبِصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.

 أَرْجُو مِنْكَ أَنْ يَتَّسِعَ صدرَك لِرِسَالَتِي، فَأَنَا أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ طَلَبًا لِلنَّصِيحَةِ وَالإِنْصَافِ.

أَنَا امْرَأَةٌ حَامِلٌ، وَقَدْ رَاجَعْتُ أَكْثَرَ مِنْ طَبِيبٍ، وَجَمِيعُهُمْ نَصَحُونِي بِالرَّاحَةِ وَتَجَنُّبِ المَجْهُودِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَقُومُ بِأَعْمَالِ المَنْزِلِ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تعالى أَوَّلًا، ثُمَّ حِرْصًا عَلَى إِرْضَاءِ زَوْجِي، لَكِنَّ مَا يُؤْلِمُنِي هُوَ أَنَّ زَوْجِي يَتَأَثَّرُ كَثِيرًا بِمَوَاقِفِ أَهْلِهِ، فَإِذَا غَضِبَ وَالِدُهُ مِنِّي تَغَيَّرَتْ مُعَامَلَتُهُ لِي، وَقَدْ يَهْجُرُ الحَدِيثَ مَعِي، وَإِذَا رَضِيَ وَالِدُهُ عَادَ إِلَى طَبِيعَتِهِ، وَكَأَنَّ عَلاَقَتَنَا الزَّوْجِيَّةَ مُرْتَبِطَةٌ بِرِضَا أَهْلِهِ! كَذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَهُ يَتَدَخَّلُونَ فِي خُصُوصِيَّاتِ حَيَاتِنَا الزَّوْجِيَّةِ بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ أَدْرَى بِمَصْلَحَتِنَا، وَهَذَا الأَمْرُ يُسَبِّبُ لِي حُزْنًا شَدِيدًا، وَزَوْجِي لاَ يَسْتَطِيعُ الدِّفَاعَ عَنِّي أَمَامَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُقَالَ لَهُ إِنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى السَّيْطَرَةِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَيَلْتَزِمُ الصَّمْتَ حَتَّى وَإِنْ كُنْتُ مَظْلُومَةً. شَيْخُنَا الكَرِيمَ، أَنَا لاَ أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ زَوْجِي عَنْ أَهْلِهِ، وَلاَ أَعْتَرِضُ عَلَى بِرِّهِ بِهِمْ؛ فَهَذَا وَاجِبٌ شَرْعِيٌّ، وَلَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ مَا هِيَ حُقُوقُ الزَّوْجَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَةِ؟ وَمَا حُدُودُ تَدَخُّلِ أَهْلِ الزَّوْجِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَتَأَثَّرَ مُعَامَلَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِمَوَاقِفِ أَهْلِهِ مِنْهَا؟ وَكَيْفَ يُمْكِنُ مُعَالَجَةُ هَذِهِ المُشْكِلَةِ بِمَا يُرْضِي اللهَ سبحانه وتعالى وَيَحْفَظُ الأُسْرَةَ مِنَ الخِلاَفِ؟ جَزَاكُمُ اللهُ تعالى خَيْرَ الجَزَاءِ، وَنَفَعَ اللهُ سبحانه بِعِلْمِكُمْ،

 وَالسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ .

الاسم: سائلة

الرَدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ، وَأَسْأَلُهُ جَلَّ جَلاَلُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ، وَأَنْ يُصْلِحَ ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَيُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، وَيَجْعَلَ بُيُوتَكُمْ عَامِرَةً بِالمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ؛ إِنَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ.

الجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

أبْنَتي الكَرِيمَةَ، بِرُّ الزَّوْجِ بِأَهْلِهِ وَاجِبٌ، لَكِنَّهُ لاَ يَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ حَيَاتَهُ الزَّوْجِيَّةَ خَاضِعَةً لِرِضَاهُمْ، أَوْ أَنْ يَسْمَحَ لَهُمْ بِالتَّدَخُّلِ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا، كَمَا أَنَّ لِلزَّوْجَةِ حُقُوقًا شَرْعِيَّةً يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ حِفْظُهَا، وَعَلَيْهَا فِي المُقَابِلِ أَنْ تَحْفَظَ حَقَّ زَوْجِهَا وَأَهْلِهِ.

وَإِذَا كَانَ الحَمْلُ قَدْ أَثَّرَ فِي قُدْرَتِكِ عَلَى القِيَامِ بِأَعْمَالِ المَنْزِلِ، وَقَدْ نَصَحَكِ الأَطِبَّاءُ بِالرَّاحَةِ، فَلاَ تُكَلِّفِي نَفْسَكِ مَا يَضُرُّ بِكِ أَوْ بِحَمْلِكِ. وَمِنَ المُهِّمِ مُسْتَقْبَلًا أَنْ يَسْعَى الزَّوْجُ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ إِلَى تَوْفِيرِ مَسْكَنٍ مُسْتَقِلٍّ يَحْفَظُ خُصُوصِيَّةَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَيُقَلِّلُ أَسْبَابَ التَّدَخُّلِ وَالخِلاَفِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَطِيعَةً لِأَهْلِهِ أَوْ مَنْعًا لَهُمْ مِنْ بِرِّهِ وَصِلَتِهِمْ.

التَّفْصِيلُ:-

أُبنتِي الكَرِيمَةَ، أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَكِ وَيَحْفَظَ حَمْلَكِ، وَأَنْ يُصْلِحَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ زَوْجِكِ، وَأَنْ يُؤَلِّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، وَأَنْ يَجْعَلَ بَيْتَكُمْ بَيْتَ سَكِينَةٍ وَرَحْمَةٍ وَمَوَدَّةٍ.

وَأُحِبُّ أَنْ أُقَرِّرَ لَكِ أَوَّلًا أَنَّ بِرَّ الزَّوْجِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَهْلِهِ وَاجِبٌ، لَكِنَّ بِرَّهُمْ لاَ يَعْنِي ظُلْمَ زَوْجَتِهِ، وَلاَ يَعْنِي أَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُ الزَّوْجِيَّةُ تَحْتَ إِدَارَةِ الأَهْلِ أَوْ رَهِينَةً بِرِضَاهُمْ وَغَضَبِهِمْ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّسَاءِ: 19].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ وتعالى:-

 {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الرُّوم: 21].

فَالزَّوْجُ مَأْمُورٌ شَرْعًا بِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ زَوْجَتِهِ، كَمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ مَأْمُورَةٌ بِحُسْنِ مُعَاشَرَةِ زَوْجِهَا، وَلَيْسَ مِنْ حُسْنِ العِشْرَةِ أَنْ يَتَغَيَّرَ الزَّوْجُ عَلَى زَوْجَتِهِ لِمُجَرَّدِ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ غَضِبَ مِنْهَا، أَوْ أَنْ يَهْجُرَهَا فِي الكَلاَمِ حَتَّى يَرْضَى ذَلِكَ القَرِيبُ.

نَعَمْ، إِذَا أَخْبَرَهُ أَهْلُهُ بِأَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِزَوْجَتِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمْ وَيَتَثَبَّتَ؛ فَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُمْ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهُ، لَكِنَّ لَيْسَ كُلُّ مَا يَقُولُهُ الأَهْلُ يَكُونُ حَقًّا، وَلاَ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى زَوْجَتِهِ بِمُجَرَّدِ كَلاَمِ الآخَرِينَ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَعَدْلٍ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحُجُرَاتِ: 6].

وَأَمَّا تَدَخُّلُ أَهْلِ الزَّوْجِ فِي خُصُوصِيَّاتِ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَهُنَا يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّصِيحَةِ المَشْرُوعَةِ وَبَيْنَ التَّدَخُّلِ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حَدَّهُ؛ فَمِنْ حَقِّ أَهْلِ الزَّوْجِ أَنْ يَنْصَحُوا ابْنَهُمْ وَيَخَافُوا عَلَيْهِ، لَكِنَّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا تَفَاصِيلَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ شَأْنًا دَائِمًا لَهُمْ، أَوْ أَنْ يَفْرِضُوا قَرَارَاتِهِمْ عَلَى الزَّوْجَيْنِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.

وَالأَصْلُ أَنَّ مَا يَقَعُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ البَيْتِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى فِي البَيْتِ، وَلاَ سِيَّمَا مَا لاَ تَدْعُو الحَاجَةُ إِلَى إِطْلاَعِ الآخَرِينَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ شَدَّدَ  سَيِّدُنَا النَّبِيُّ،  صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، فِي إِفْشَاءِ أَسْرَارِ العَلاَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَقَالَ:-

(إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا) الإِمَامُ مُسْلِمٌ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ حَوْلَ مُشْكِلاَتِ السَّكَنِ مَعَ أَهْلِ الزَّوْجِ، أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (3020) وَمَا أُحِيلَ فِيهِ مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ.

وَأَمَّا كَوْنُ الزَّوْجِ يَتَأَثَّرُ فِي مُعَامَلَتِهِ لِزَوْجَتِهِ بِغَضَبِ وَالِدِهِ أَوْ رِضَاهُ، فَإِنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ لاَ يُوجِبُ طَاعَةَ أَحَدِهِمَا فِي ظُلْمِ الزَّوْجَةِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رِضَا الأَبِ أَوْ غَضَبُهُ مِيزَانًا لِلْحُكْمِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ بَلِ الوَاجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَعْدِلَ وَيَتَثَبَّتَ، فَيَنْصَحَ زَوْجَتَهُ إِنْ أَخْطَأَتْ، وَيُنْصِفَهَا إِنْ ظُلِمَتْ، وَيَحْفَظَ لِأَهْلِهِ حَقَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْلِمَ زَوْجَتَهُ.

وَالقَوَامَةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ تَعَالَى لِلرَّجُلِ لَيْسَتْ تَسَلُّطًا عَلَى الزَّوْجَةِ، وَلاَ وَسِيلَةً لإِثْبَاتِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِخْضَاعِهَا أَمَامَ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ وَرِعَايَةٌ وَحِفْظٌ وَعَدْلٌ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

 {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النِّسَاءِ: 34].

فالرَّجُلُ الحَكِيمُ لَيْسَ الَّذِي يَظْلِمُ زَوْجَتَهُ لإِرْضَاءِ أَهْلِهِ، وَلاَ الَّذِي يُخَاصِمُ أَهْلَهُ مِنْ أَجْلِ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَيَبُرُّ وَالِدَيْهِ وَيَحْفَظُ زَوْجَتَهُ، وَلاَ يَجْعَلُ أَحَدَهُمَا يَظْلِمُ الآخَرَ.

وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، أُخْتِي الكَرِيمَةَ، لاَ يَعْنِي هَذَا أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُلْزَمًا بِالوُقُوفِ مَعَ زَوْجَتِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ؛ فَقَدْ تَكُونُ الزَّوْجَةُ مُخْطِئَةً كَمَا قَدْ يَكُونُ أَهْلُ الزَّوْجِ مُخْطِئِينَ، وَإِنَّمَا المَطْلُوبُ أَنْ يَقِفَ الزَّوْجُ مَعَ الحَقِّ؛ فَإِذَا أَخْطَأَتْ زَوْجَتُهُ نَصَحَهَا بِرِفْقٍ، وَإِذَا ظُلِمَتْ أَنْصَفَهَا بِعَدْلٍ.

أَمَّا الحَمْلُ وَأَعْمَالُ المَنْزِلِ، فَهَذِهِ نُقْطَةٌ مُهِمَّةٌ فِي رِسَالَتِكِ؛ فَإِذَا كَانَ الأَطِبَّاءُ الثِّقَاتُ قَدْ نَصَحُوكِ بِالرَّاحَةِ وَتَجَنُّبِ المَجْهُودِ بِسَبَبِ الحَمْلِ، فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ تُحَمِّلِي نَفْسَكِ مَا يَضُرُّ بِكِ أَوْ بِحَمْلِكِ بِحُجَّةِ إِرْضَاءِ الزَّوْجِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ طَلَبِ الأَجْرِ.

قَالَ سَيِّدُنُا رَسُولُ اللهِ ،صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ) الإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

فَالوَاجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الضَّرَرِ، وَالطَّاعَةُ لاَ تَكُونُ فِي فِعْلِ مَا يُوقِعُ الضَّرَرَ بِالنَّفْسِ؛ فَافْعَلِي مِنْ أَعْمَالِ البَيْتِ مَا تَسْتَطِيعِينَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ أَوْ ضَرَرٍ، وَتَعَاوَنِي مَعَ زَوْجِكِ فِي تَدْبِيرِ مَا يَشُقُّ عَلَيْكِ حَتَّى تَمُرَّ هَذِهِ المَرْحَلَةُ بِسَلاَمٍ.

وَالزَّوْجُ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ أَوْلَى النَّاسِ بِأَنْ يَكُونَ عَوْنًا لِزَوْجَتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَنَّهَا تَحْمِلُ فِي بَطْنِهَا نَفْسًا، وَتَتَعَرَّضُ لِتَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ لاَ يَنْبَغِي الاِسْتِهَانَةُ بِهِمَا.

قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ، صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

(خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي) الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

أَمَّا السَّكَنُ المُسْتَقِلُّ، فَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ مُسْتَقْبَلًا، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُوَفِّرَ لِزَوْجَتِهِ وَأُسْرَتِهِ مَسْكَنًا مُسْتَقِلًّا يَحْفَظُ خُصُوصِيَّةَ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ السَّكَنُ مَعَ أَهْلِهِ سَبَبًا لِكِثْرَةِ التَّدَخُّلِ أَوْ تَكَرُّرِ الخِلاَفِ.

فَمِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ أَنْ يَكُونَ لَهَا مَسْكَنٌ تَأْمَنُ فِيهِ عَلَى نَفْسِهَا وَخُصُوصِيَّتِهَا بِحَسَبِ مَا تُقَرِّرُهُ الأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَقُدْرَةُ الزَّوْجِ وَحَالُهُ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَقْطَعَ الزَّوْجَةُ زَوْجَهَا عَنْ أَهْلِهِ، وَلاَ أَنْ يَمْنَعَ الزَّوْجُ أَهْلَهُ مِنْ زِيَارَتِهِ وَبِرِّهِ بِهِمْ؛ وَإِنَّمَا المَقْصُودُ أَنْ تَكُونَ لِلزَّوْجَيْنِ حَيَاتُهُمَا الخَاصَّةُ الَّتِي يُدِيرَانِهَا بِأَنْفُسِهِمَا.

وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبْذُلَ وُسْعَهُ فِي تَوْفِيرِ ذَلِكَ مَتَى اسْتَطَاعَ، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى السَّكَنِ المُسْتَقِلِّ عَلَى أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِحِفْظِ المَوَدَّةِ وَالاِسْتِقْرَارِ، لاَ أَنَّهُ تَخَلٍّ عَنْ وَالِدَيْهِ أَوْ إِسَاءَةٌ إِلَيْهِمْ.

وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ تَوْفِيرَ مَسْكَنٍ مُسْتَقِلٍّ فِي الوَقْتِ الحَاضِرِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يَضَعَ فِي السَّكَنِ المُشْتَرَكِ حُدُودًا وَاضِحَةً تَحْفَظُ خُصُوصِيَّةَ زَوْجَتِهِ، وَتَمْنَعُ الآخَرِينَ مِنَ التَّدَخُّلِ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِمَا.

وَلِمَزِيدِ اطِّلاَعٍ حَوْلَ حَقِّ الزَّوْجَةِ فِي السَّكَنِ المُسْتَقِلِّ، أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (710) فِي هَذَا المَوْقِعِ الكَرِيمِ.

أَمَّا كَيْفِيَّةُ مُعَالَجَةِ المُشْكِلَةِ: فَأَنْصَحُكِ أَلاَّ تَفْتَحِي هَذَا المَوْضُوعَ مَعَ زَوْجِكِ فِي وَقْتِ الغَضَبِ، وَأَلاَّ تَقُولِي لَهُ: أَنْتَ دَائِمًا مَعَ أَهْلِكَ ضِدِّي، أَوْ: أَهْلُكَ خَرَّبُوا حَيَاتَنَا؛ فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ العِبَارَاتِ قَدْ تَدْفَعُهُ إِلَى الدِّفَاعِ عَنْ أَهْلِهِ بَدَلَ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى شَكْوَاكِ.

وَلَكِنِ اخْتَارِي وَقْتًا هَادِئًا، وَتَحَدَّثِي مَعَهُ بِلُطْفٍ، وَقُولِي لَهُ بِمَعْنَى الكَلاَمِ: أَنَا لاَ أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَلاَ أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ مُشْكِلَةٌ بِسَبَبِي، بَلْ أُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عَلاَقَتُنَا مُسْتَقِرَّةً، وَأَنْ تَبُرَّ أَهْلَكَ وَتُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ تَحْفَظَ لِي حَقِّي كَزَوْجَةٍ.

وَإِذَا أَخْطَأْتُ فَنَبِّهْنِي أَنْتَ، وَإِذَا وَقَعَ خِلاَفٌ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِكَ فَاسْمَعْ مِنِّي وَمِنْهُمْ، ثُمَّ احْكُمْ بِالعَدْلِ، وَلاَ تَجْعَلْ غَضَبَ أَحَدٍ عَلَيْنَا سَبَبًا لِهَجْرِكَ لِي.

وَاتَّفِقَا عَلَى أُمُورٍ وَاضِحَةٍ، مِنْهَا:-

أَلاَّ تُنْقَلَ خُصُوصِيَّاتُ حَيَاتِكُمَا الزَّوْجِيَّةِ إِلَى الأَهْلِ إِلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ، أَلاَّ يُتَّخَذَ مَوْقِفٌ مِنْ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِنَاءً عَلَى كَلاَمِ طَرَفٍ وَاحِدٍ، أَنْ تَكُونَ مُعَالَجَةُ الخِلاَفِ أَوَّلًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ عِنْدَ الحَاجَةِ بِشَخْصٍ حَكِيمٍ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ مِمَّنْ عُرِفَ بِالعَدْلِ وَحِفْظِ الأَسْرَارِ.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ حَوْلَ حُقُوقِ الزَّوْجَةِ وَوَاجِبَاتِهَا فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (3216) وَمَا أُحِيلَ فِيهِ مِنْ أَسْئِلَةٍ فِي هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ.

وَقَدْ وَضَعَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أَصْلًا عَظِيمًا عِنْدَ اشْتِدَادِ الخِلاَفِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ،

فَقَالَ تَبَارَكَ اسمُهُ:-

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النِّسَاءِ: الآيَةُ 35].

فَالَمَطْلُوبُ إِصْلاَحٌ لاَ انْتِصَارٌ، وَلَيْسَ المُهِّمُ أَنْ تَثْبُتِي أَنَّكِ المَظْلُومَةُ أَوْ أَنْ يَثْبُتَ زَوْجُكِ أَنَّ أَهْلَهُ عَلَى حَقٍّ؛ وَإِنَّمَا المُهِّمُ أَنْ تَنْجَحَ الأُسْرَةُ، وَأَنْ تُحْفَظَ الحُقُوقُ مِنْ غَيْرِ قَطِيعَةٍ وَلاَ ظُلْمٍ.

وَأَخِيرًا أَقُولُ لَكِ: لاَ تَجْعَلِي عَلاَقَتَكِ بِأَهْلِ زَوْجِكِ مَيْدَانًا لِلْمُنَافَسَةِ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْكِ أَنْ تَكُونِي بَدِيلَةً عَنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَلَيْسَ مَطْلُوبًا مِنْهُ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ زَوْجَتِهِ وَأَهْلِهِ؛ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَقُّهُ وَمَكَانَتُهُ.

أَنْتِ زَوْجَتُهُ، وَهُمْ أَهْلُهُ؛ وَالعَدْلُ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.

أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُلَيِّنَ قَلْبَ زَوْجِكِ لَكِ، وَأَنْ يَرْزُقَهُ الحِكْمَةَ وَالعَدْلَ، وَأَنْ يَرْزُقَكِ الصَّبْرَ وَحُسْنَ التَّعَامُلِ، وَأَنْ يَحْفَظَ وَالِدَيْهِ وَأَهْلَهُ، وَيُؤَلِّفَ بَيْنَ الجَمِيعِ، وَيُبْعِدَ عَنْ بَيْتِكُمْ أَسْبَابَ الفِتْنَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ، وَيُتَمِّمَ حَمْلَكِ عَلَى خَيْرٍ، وَيَرْزُقَكُمْ مَوْلُودًا صَالِحًا مُعَافًى، وَيَجْعَلَ قُدُومَهُ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ وَالاِجْتِمَاعِ وَالسَّكِينَةِ؛ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.

وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.