9/6/2023

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي وقرّة عيني نسأل الله تعالى أنْ يجزكم عنّا خير ما يجزي عالمًا عن أمّة الإسلام ويرفع لكم الدرجة والمقام في أعلى عليين بجاه خاتم الأنبياء والمرسلين صلّى الله عليه وسلّم، سؤالي هو:-

شيخي أنا متزوجة جديدا وأعيش ضغوطات من قِبَلِ عيال زوجي، وقلبي لا يتحمّل كلامهم ولا تصرّفاتهم معي، وأخاف وأبكي كثيرا، لكن عائلتي لا تدري بشيء، لكنّي أسكت ولا أفعل أي مشاكل، طلبي منكم أريد ذكرا يقوّي قلبي مع العلم أنا سالكة عندكم لكني أتعب من الداخل كثيرا.

 

الاسم: بتول

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.

الجواب باختصار:ـ

الدنيا دار اختبار؛ فلا عجب من وجود بعض الصعوبات والمشكلات التي تهون بالتفاعل الشمولي الجاد مع الشرع الشريف، ومنه التحلي بالصبر والحكمة والرضا وملازمة ذكر الله جلّ في علاه، ومن تلك الأذكار المباركة الحوقلة “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”، و “حسبي الله ونعم الوكيل”، والعمل بجدّ لتحصيل السكن المستقل؛ فهذا حقّ شرعي، ولا بأس أنْ يكون بالإيجار أو بالعزل ضمن دار العائلة الحالي.

التفصيل:ـ

في البدء لا بُدّ أنْ أركّز على أمرٍ فشا في مجتمعنا وهو ضيق الصدور، وعدم تحمّل الآخرين حتى أقرب الناس إلينا ممّن تربطنا بهم رابطة الدِّين والنسب والمصاهرة والقرابة، وما ذلك إلّا لضعف الالتزام، وعدم التفاعل مع علوم وأحكام الشريعة الغرّاء، والجهل بالمعاني الإيمانية المبثوثة فيها، كذا غياب الثقافة الروحية الداعية لمجاهدة النفس وتزكيتها لتتخلّى عن الرذائل، وتتحلّى بجميل مكارم الأخلاق والفضائل؛ قال الله جلّ جلاله في محكم كتابه العزيز:ـ

{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا —} [سورة طه: 124].

قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في تفسير هذه الآية المباركة:ـ

(أَيْ تَوَلَّى الإِنْسَانُ عَمَّا ذَكَّرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ، وَلَمْ يَتَّعِظْ بِهِ فَيَنْزَجِر عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيْمٌ مِنْ خِلَافِهِ، فَالمُحَصِّلَة عِيْشَةٌ ضَيِّقَةٌ شَدِيْدَةٌ فِيْهَا النَّكَدُ وَالشَّقَاءُ) تفسير جامع البيان في تأويل القرآن للإمام الطبري رحمه الله تعالى بتصرف (18/390).

فمَنْ كان هذا حاله يغفل عن الحساب، وعن يومٍ سيقف فيه أمام مولاه جلّ جلاله، فضلا عن إهماله لأحكام الشريعة الغرّاء الداعية لمراعاة الأرحام، والإحسان على نحو عام؛ فإذا كان الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم قد دعا إلى سمو النفوس بمحبّة الخير للآخرين كما يُحبّ المرء الخير لنفسه؛ فقال:ـ

(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

هذا مع أخيه، ولفظ “أخيه” لفظ يشمل حتّى الأخ في الإنسانية؛ فإنّي أرجو له الهداية والخروج من الظلمات إلى النور؛ فكيف بمَنْ تربطنا به روابط الدِّين والنسب والدم ولا سيما ذوي الأرحام منهم كالعمة والزوجة والخالة — إلخ.

فينبغي للأمّ أنْ تتذكّر بأنّها كانت عروسًا يومًا ما، وبأنّ لها بناتٍ ترجو أنْ يُعاملنَ معاملة حسنة، وكذا الزوجة لا بُدّ أنْ تعلم بأنّ أمّ الزوج “عمّتها”، وهي بمثابة أمّها التي ولدتها؛ فينبغي مراعاة حرمتها وسِنّها، وتحمّل ما يبدر منها.

إنّ صور الضعف المذكورة أعلاه هي السبب الرئيس لوجود هذه المشكلات والخصومات والمنازعات التي تنخر جسد الأمّة، وتعمل على تهديم الأُسر، وانتشار الأمراض الاجتماعية والنفسية والجنائية المتنوعة فيها، مثل ارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري وما سوى ذلك.

أسأل الله تعالى السلامة والعفو والعافية في الدّين والدنيا والآخرة.

ومن صور ضعف الالتزام بأحكام الشرع الشريف: عدم توفير السكن المستقل للزوجة؛ قال الله تبارك في علاه:ـ

{أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ —} [سورة الطلاق: 6].

إنّ السكن المستقل حقّ للزوجة، وواجب شرعي وقانوني على الزوج، وليس شرطًا أنْ يكون البيت كبيرًا أو ملكًا خاصًّا للزوج، بل تكفي الدار الصغيرة وإنْ كانت مؤجرة، فإنْ تعذّر فبعزل جزء من دار العائلة إنْ أمكن ذلك، ويا حبذا أنْ يكون العلم بهذا والاتفاق عليه منذ البداية لتجنّب ما قد يحصل لاحقًا من المنازعات والخصومات، وإنْ تعذّر ما تقدّم وَرَضِيَتِ الزَّوْجَةُ بالسكن مع أهل زوجها فلا بُدّ أنْ تتحمّل وتتحلّى بالصبر والتقوى إلى أنْ يجعل الله تعالى لهم فرجًا ومخرجًا؛ وهو القائل سبحانه:ـ

{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [سورة الطلاق: 2 – 3].

وأعني بالسكن المستقل أنْ يكون هناك مدخل ومخرج خاصّ لا يشاركهم فيه أحد مع مرفقات الدار الضرورية؛ فهذا من موجبات الباءة التي تؤهل الزوج للزواج أصلا، فإنْ تنازلت الزوجة عن حقّها ورضيت بالسكن مع أهل زوجها فلها الأجر والفضل، وهنا تأتي أهميّة التكافؤ والتوافق بين الأسرتين، فمَنْ كانت من الحضر لا تستطيع أنْ تعيش في البداوة والريف، وتمارس نشاطاتهم.

فإنْ كانت منهم أو استطاعت أنْ تندمج معهم فهي متفضلة في المشاركة والخدمة، وإلّا فالأصل أنّها في حِلٍّ من ذلك كلّه.

فإنْ لم يُراع الأهل حالها، وتعذّر التجانس الروحي والنفسي، ونشأت المنازعات، وزالت السكينة والمودّة المرجوّة من الزواج، ولم يتمكن الأطراف من التفاهم فينبغي العودة للأصل الشرعي وهو توفير بيت الزوجية الذي يجد فيه الزوجان والأولاد الجوّ الإيجابيّ للتربية والسعادة والنماء.

قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:ـ

(وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَهَا النَّفَقَةُ لَهَا السُّكْنَى لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}… وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ وَشَرْطِهِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْوُجُوبِ وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِهِمَا أَصْلُ الْوُجُوبِ الْمُوسِرُ وَالْمُعْسِرُ؛ لِأَنَّ دَلَائِلَ الْوُجُوبِ لَا تُوجِبُ الْفَصْلَ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مِنْهُمَا – وَسَنُبَيِّنُهُ ، وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُسْكِنَهَا مَعَ ضَرَّتِهَا أَوْ مَعَ أَحْمَائِهَا كَأُمِّ الزَّوْجِ وَأُخْتِهِ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا وَأَقَارِبِهِ فَأَبَتْ ذَلِكَ؛ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَنْزِلٍ مُفْرَدٍ؛ لِأَنَّهُنَّ رُبَّمَا يُؤْذِينَهَا وَيَضْرُرْنَ بِهَا فِي الْمُسَاكَنَةِ وَإِبَاؤُهَا دَلِيلُ الْأَذَى وَالضَّرَرِ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُجَامِعَهَا وَيُعَاشِرَهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ يَتَّفِقُ وَلَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الدَّارِ بُيُوتٌ فَفَرَّغَ لَهَا بَيْتًا وَجَعَلَ لِبَيْتِهَا غَلْقًا عَلَى حِدَةٍ قَالُوا: إنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَالِبَهُ بِبَيْتٍ آخَرَ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام الكاساني رحمه الله جل وعلا (4/23).

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب الأسئلة المرقمة (95، 320، 628) في هذا الموقع المبارك.

قد أثبت الواقع على نحو لا يقبل الشكّ أنّ وجود الدار المستقلة تمنع الكثير من هذه المشكلات، وقد يرفض الوالدان أو أحدهما انعزال الابن عنهما فينبغي إقناعهما بالحسنى، والاستعانة بالأقرباء ممّنْ لهم تأثير على الوالدين، أو فليتوسط بينهم أهل العلم والفضل والعقل، ولا يحصل هذا إلّا بعد أنْ يقتنع الزوج ويعلم بأنّ الدار المستقل حقّ شرعي للزوجة، ووسيلة مُثلى لحلّ المشاكل، وسبب رئيس لشعوره وزوجته بنعمة الاستقلالية، ومن ثمّ إمكانية تربية أولادهما على نحو صحيح دون تدخّلات قد تكون سلبية أغلب الأحيان.

فإذا كان الزوج يخشى إغضاب أهله فبإمكانه أنْ يعتذر إليهم بأنّ الزوجة هي التي لا تريد ذلك، وأنّ هذا حقها شرعًا، فغضبهم من الزوجة أخفّ من غضبهم منه، وبجميل فعله وصدقه وتوكلّه على الله تعالى يزول غضبهم بإذنه تبارك في علاه.

والحمد لله تعالى أنّكِ قد سلكتِ طريق الإحسان، طريق صريح الإيمان الذي يوجب عليكِ مجاهدة نفسِكِ، فالصبر مفتاح الفرج.

{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [سورة الزمر: 10].

ولأنّه سبيل لكسر النفس وسمو الروح فنيل أعلى المقامات، كما أنه وسيلة ناجعة للدعوة الفاعلة لمنهج التزكية النبوية الشريفة التي لما غابت في واقع المسلمين فشت فيهم المشكلات المختلفة الاجتماعية والأخلاقية والنفسية.

ولمعرفة كيفية الدعوة للعمل الروحي الإسلامي أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1751) في هذا الموقع الميمون.

وللسالك كما تعلمين أوراده التي بايع مرشده رضي الله تعالى عنه وعنكم عليها فينبغي الاهتمام بها، وبالرابطة الشريفة، كذا فمن المفيد أن تلزمي الاستغفار والصلاة والسلام على النبي المختار صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأبرار، كذا ” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم” و” حسبي الله ونعم الوكيل”؛ ففي هذه الأذكار خير كثير، وبها يحصل الفرج بإذنه تبارك في علاه.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2962) في هذا الموقع الكريم.

ولقد أنشأ خادمكم لجانًا مباركة لخدمة أمّة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم، منها لجنة خدمة السالكات؛ فأرجو مراجعتها للإفادة من خبرتها، والتواصل معها فالمرء كثيرٌ بأخيه.

قال عزّ من قائل:-

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [سورة التوبة: 71].

وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على الرحمة العظمى للعالمين، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم أجمعين.