11/8/2026

نص السؤال:-

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

حياكم الله شيخي الفاضل

وحيا الله المقيمين والساهرين على هدا الموقع الجميل والمتطوعين المباركين لخذمة الله ورسوله.

شيخي الحبيب في إطار عملي لخدمة الناس والمجتمع في عيادتي النفسية، أجد حالات تدعي أن بها مسا شيطانيا وتتكلم عن أعراض كالرؤى المنامية المتكررة، والخوف من سماع القرآن الكريم، والإحساس بوجود شخص يراقبهم، وقرص على مستوى الجلد…وهي أعراض يمكن أن تنتقل من عميل إلى آخر يعاني من نفس الاضطراب الشعوري. والمجتمع ينمي هاته الأخبار والأحوال بالحكي والقصص.

وخادمكم يؤمن بوجود الأمراض الروحية وكذلك الاضطرابات الشعورية والنفسية.

ولا أريد أن أتجاوز حدودي في توجيه العملاء. فأوجه من عنده مرض روحي إلى أهل الإختصاص المباركين من رقاة وصالحين.

فأطلب من سيادتكم شيخي المبارك. وخدمة للناس بيقين اللهم أنت مقصودي ورضاك مطلوبي وبهدف نشر الخير للغير، أن تنيروا لي حدود التدخل النفسي وماهي مظاهر المرض الروحي التي تتطلب راقيا أو مرشدا روحيا؟ وما كل علوم النفس الحديثة وكل ما توصلت إليه من فهم ومعالجة الاضطرابات النفسية والسلوكية إلا نقطة من بحر علوم تربية وتزكية النفوس التي عمل بها ساداتنا من أهل الله ومشايخنا المباركين عبر الزمن، فوصلوا وأوصلوا من اختاره الله لهذا.

ولكن كل يؤتى على قدر إنائه واستيعابه.

فنطلب الله أن يسقينا من الإدراك والفهم بما ينفع الناس بجاه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وببركتكم وبسركم الواصل الموصول المتصل إلى حضرة النبي المختار.

وبارك الله فيكم ومعكم وعلى يديكم وفي نواياكم الطيبة الصادقة.

 

الاسم: سائل

الرَدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

شُكْرًا جَزِيلًا عَلَى دُعَائِكَ وَتَوَاصُلِكَ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَزِيدَكَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ، وَأَنْ يُوَفِّقَكَ لِخِدْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْفَعَ بِكَ عِبَادَهُ.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

لَيْسَتِ الْأَعْرَاضُ الَّتِي يَذْكُرُهَا بَعْضُ النَّاسِ دَلِيلًا عَلَى الْإِصَابَةِ بِمَسٍّ شَيْطَانِيٍّ؛ فَقَدْ تَكُونُ لَهَا أَسْبَابٌ نَفْسِيَّةٌ أَوْ طِبِّيَّةٌ أَوْ سُلُوكِيَّةٌ، وَقَدْ تَتَدَاخَلُ أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ فِي الْحَالَةِ الْوَاحِدَةِ.

لِذَلِكَ يَنْبَغِي تَشْخِيصُ الْحَالَةِ بِحَسَبِ الِاخْتِصَاصِ، وَتَوْجِيهُ صَاحِبِهَا إِلَى الْعِلَاجِ الْمُنَاسِبِ، مَعَ الِاسْتِعَانَةِ بِالرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْإِرْشَادِ الرُّوحِيِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، دُونَ إِهْمَالِ الْعِلَاجِ الطِّبِّيِّ أَوْ النَّفْسِيِّ.

كَمَا أَنَّ التَّزْكِيَةَ وَالْإِرْشَادَ الرُّوحِيَّ يُعِينَانِ الْمُسْلِمَ عَلَى تَقْوِيَةِ إِيمَانِهِ وَتَهْذِيبِ نَفْسِهِ.

التَّفْصِيلُ:-

الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: الْأَمْرَاضُ الْقَلْبِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ

يَخْتَلِفُ مَفْهُومُ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ أَوِ الرُّوحِيَّةِ فِي مَجَالِ التَّرْبِيَةِ وَالتَّزْكِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ عَنْ مَفْهُومِ الِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ فِي الطِّبِّ الْحَدِيثِ.

فَتَسْمِيَةُ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ فِي الِاصْطِلَاحِ التَّرْبَوِيِّ الْإِسْلَامِيِّ يُرَادُ بِهَا الْأَمْرَاضُ العَقَائدِيةُ الْأَخْلَاقِيَّةُ وَالرُّوحِيَّةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ اخْتِلَالِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ، وَمَا يَعْتَرِي قَلْبَهُ وَنَفْسَهُ وَفِكْرَهُ مِنْ آفَاتٍ تُؤَثِّرُ فِي سُلُوكِهِ وَتَعَامُلِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعَ خَلْقِهِ.

وَمَتَى طَغَتِ النَّفْسُ بِأَهْوَائِهَا عَلَى سَائِرِ الْقُوَى الرُّوحِيَّةِ، أَضْعَفَتْ أَثَرَ الْقَلْبِ وَالْفِكْرِ، وَانْعَكَسَ ذَلِكَ عَلَى سُلُوكِ الْإِنْسَانِ، وَدَفَعَهُ إِلَى سُوءِ الْخُلُقِ.

وَسُوءُ الْخُلُقِ، كَمَا عَرَّفَهُ سَيِّدِي حَضْرَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ حَضْرَةِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ:

(هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ بَاطِنَةٌ تَتَوَلَّدُ مِنْهَا السَّيِّئَاتُ الرَّئِيسِيَّةُ التَّالِيَةُ: النِّفَاقُ، وَالرِّيَاءُ، وَالطَّمَعُ، وَالْحَسَدُ، وَالْعُجْبُ، وَمِنْهُ الْكِبْرُ، وَالْغَفْلَةُ) مَعَالِمُ الطَّرِيقِ فِي عَمَلِ الرُّوحِ الْإِسْلَامِيِّ، (245).

وَعَكْسُ سُوءِ الْخُلُقِ هُوَ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَقَدْ عَرَّفَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُمْ بِأَنَّهُ:

(هَيْئَةٌ رُوحِيَّةٌ فِي الْقَلْبِ تَنْبَعِثُ مِنْهَا الْحَسَنَاتُ التَّالِيَةُ: الصَّبْرُ، وَالشُّكْرُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالْحُبُّ، وَالذِّكْرُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ) مَعَالِمُ الطَّرِيقِ فِي عَمَلِ الرُّوحِ الْإِسْلَامِيِّ، (246).

وَمَنْبَعُ هَاتَيْنِ الْهَيْئَتَيْنِ، بِحَسَبِ هَذَا الْمَنْهَجِ التَّرْبَوِيِّ، هُوَ ارْتِبَاطُ الشَّخْصِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُطَهَّرَةِ؛ فَالْإِعْرَاضُ عَنْ هَدْيِهِمَا يُضْعِفُ التَّزْكِيَةَ وَالِاسْتِقَامَةَ، وَالِاعْتِصَامُ بِهِمَا يُعِينُ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ وَصَلَاحِ الْقَلْبِ.

وَالْمُسْلِمُ مُطَالَبٌ بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَمَنْهِيٌّ عَنْ سُوءِ الْخُلُقِ، وَمُطَالَبٌ بِتَهْذِيبِ نَفْسِهِ وَتَرْقِيَتِهَا حَتَّى تكونَ مُطْمَئِنةً كَمِا رَبُنَا سبحانه وتَعَالَى:-

{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً *فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر: 27-30].

وقوله عزَّ شأنُهُ:-

{وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ} [النازعات: 40-41].

وَقَدْ عَرَّفَ عُلَمَاءُ التَّزْكِيَةِ النَّفْسَ بِأَنَّهَا:-

(الْأَصْلُ الْجَامِعُ لِلصِّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ مِنَ الْإِنْسَانِ) إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (3/6).

و عَرَّفَها سَيِّدِي حَضْرَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ حَضْرَةِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ:

(هِيَ القُوَّةُ الدَّافِعَةُ إِلَى الشَّهَوَاتِ وَالأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ) مَعَالِمُ الطَّرِيقِ فِي عَمَلِ الرُّوحِ الْإِسْلَامِيِّ، (275).

 

وَمَنْ يَتَّصِفْ بِصِفَاتِ الْخُلُقِ السَّيِّئِ قَدْ يُنَزِّلُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ، فَيَظْلِمُ النَّاسَ وَيُؤْذِيهِمْ.

يَقُولُ سَيِّدِي حَضْرَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ حَضْرَةِ الشَّيْخِ مُصْطَفَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُمْ:-

(وَمِنْ كُلِّ مَأْثَمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَآثِمِ الْبَاطِنَةِ آثَارٌ مَادِّيَّةٌ، وَأَعْمَالُ جَوَارِحَ فِيهَا هَلَاكُ الْإِنْسَانِ الْفَرْدِ وَخَرَابُ الْمُجْتَمَعِ، فَكَمْ مِنْ قَتْلٍ أَفْضَى إِلَيْهِ طَمَعٌ، وَكَمْ مِنْ غِيبَةٍ أَدَّى إِلَيْهَا حَسَدٌ، وَكَمْ مِنْ مُجْتَمَعٍ أَفْسَدَتْ أَحْوَالَهُ النِّفَاقُ وَالرِّيَاءُ وَالْكِبْرُ) مَعَالِمُ الطَّرِيقِ فِي عَمَلِ الرُّوحِ الْإِسْلَامِيِّ، (265).

وَقَدْ تَكُونُ بَعْضُ الْمَعَاصِي وَمَا يَعْقُبُهَا مِنْ نَدَمٍ سَبَبًا لِلْحُزْنِ وَالْغَمِّ وَاضْطِرَابِ النَّوْمِ لَدَى بَعْضِ الْأَشْخَاصِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ قَدْ تَنْشَأُ أَيْضًا عَنْ أَسْبَابٍ نَفْسِيَّةٍ أَوْ بَدَنِيَّةٍ أَوْ اجْتِمَاعِيَّةٍ أُخْرَى، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهَا دَلِيلًا عَلَى ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ، أَوْ عَدُّهَا وَحْدَهَا عَلَامَةً عَلَى مَرَضٍ رُوحِيٍّ.

كَمَا أَنَّ لِلشَّيْطَانِ وَسَاوِسَ يُحَاوِلُ بِهَا تَشْوِيشَ الْإِنْسَانِ وَصَرْفَهُ عَنِ الطَّاعَةِ.

قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:

(يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

وَيُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ أَثَرُ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِ الْمُسْلِمِ وَنَشَاطِهِ، وَأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ مِنْ أَسْبَابِ زَوَالِ ذَلِكَ، وَلَا يَعْنِي الْحَدِيثُ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَصَابَهُ الْأَرَقُ أَوِ الْخُمُولُ يُعَانِي مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنْ مَرَضٍ رُوحِيٍّ.

وَجَاءَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَى (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) أَيْ: مَهْمُومًا. شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لِابْنِ بَطَّالٍ (3/134).

وَيَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ فِي تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وَعِلَاجِ آفَاتِ قَلْبِهِ وَأَخْلَاقِهِ إِلَى مُرْشِدٍ مُرَبٍّ يُعِينُهُ بِحَالِهِ وَمَقَالِهِ عَلَى تَقْوِيَةِ الْإِيمَانِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ، وَيَكُونُ مَوْثُوقًا فِي عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ.

فَالْمُرْشِدُ، هُوَ:-

(عَبْدٌ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَكَثْرَةِ الطَّاعَاتِ، تَحْتَ رِعَايَةِ مُرْشِدِهِ وَشَيْخِهِ الْمُوَجِّهِ الْفَائِقِ، فَتَضَاعَفَتْ طَاقَاتُهُ الرُّوحِيَّةُ، وَتَحَقَّقَ فِي الْمَعَانِي الْإِيمَانِيَّةِ، وَتَدَرَّجَ فِي الْعُرُوجِ إِلَى مَقَامَاتِ الْقُرُبِ مِنْ رَبِّ الْبَرِيَّةِ، فَكَانَ وَارِثًا حَقًّا لِسَيِّدِ الْخَلْقِ وَحَبِيبِ الْحَقِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ) الرَّابِطَةُ الْقَلْبِيَّةُ، للخادم سَعْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ عَارِفٍ، (39).

وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى يُعِينُ الْمُرْشِدُ الْمُسْتَرْشِدَ عَلَى تَقْوِيَةِ إِيمَانِهِ وَتَهْذِيبِ نَفْسِهِ وَمُقَاوَمَةِ أَهْوَائِهَا، وَدَفْعِ الْوَسَاوِسِ. غَيْرَ أَنَّ الْإِرْشَادَ الرُّوحِيَّ لَا يُغْنِي عَنْ مُرَاجَعَةِ الطَّبِيبِ أَوِ الْمُخْتَصِّ النَّفْسِيِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَا يُعَدُّ بَدِيلًا عَنِ التَّشْخِيصِ وَالْعِلَاجِ الْمُتَخَصِّصَيْنِ.

الْأَمْرُ الثَّانِي: الرُّقْيَةُ الشَّرْعِيَّةُ

أَجَازَ الشَّرْعُ الْحَنِيفُ الِاسْتِشْفَاءَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ، وَوَرَدَتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:-

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82].

وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، عِنْدَ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا خُلَاصَتُهُ:-

( أَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ مِنَ الشُّبَهِ وَالْجَهَالَةِ وَالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَالْقُصُودِ السَّيِّئَةِ، وَأَنَّهُ يَشْتَمِلُ كَذَلِكَ عَلَى مَا يَكُونُ سَبَبًا فِي شِفَاءِ الْأَبْدَانِ مِنْ آلَامِهَا وَأَسْقَامِهَا) تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ (744).

وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ رَقَوْا سَيِّدَ حَيٍّ بِالْفَاتِحَةِ، فَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَقَرَّهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: (وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟)، ثُمَّ أَذِنَ لَهُمْ بِأَخْذِ الْجُعْلِ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

الْجُعْلُ:- يَعْنِي الْأَجْرَ أَوِ الْمُكَافَأَةَ الَّتِي تُعْطَى لِشَخْصٍ مُقَابِلَ قِيَامِهِ بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ.

وَالرُّقْيَةُ الشَّرْعِيَّةُ مَشْرُوعَةٌ، وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَرْقِيَ نَفْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ، مَعَ الِالتِزَامِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَيُمْكِنُ الِاسْتِعَانَةُ بِرُقَاةٍ مَأْذُونِينَ مَوْثُوقِينَ مَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ وَالِاسْتِقَامَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، مَعَ الْحَذَرِ مِنْ أَهْلِ الدَّجَلِ وَالِاسْتِغْلَالِ الَّذِينَ يُوهِمُونَ النَّاسَ بِالْإِصَابَةِ بِالسِّحْرِ أَوْ مَسِّ الشَّيْطَانِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَيَسْتَغِلُّونَ خَوْفَهُمْ وَحَاجَتَهُمْ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ.

وَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِأَنَّ شَخْصًا مُصَابٌ بِالْمَسِّ أَوْ السِّحْرِ لِمُجَرَّدِ رُؤَى مَنَامِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، أَوْ شُعُورٍ بِالْمُرَاقَبَةِ، أَوْ إِحْسَاسٍ بِقَرْصٍ فِي الْجِلْدِ؛ فَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكُونُ لَهَا تَفْسيرَاتٌ نَفْسِيَّةٌ أَوْ طِبِّيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: حُدُودُ الْعَمَلِ النَّفْسِيِّ وَالتَّوْجِيهِ إِلَى الْمُخْتَصِّينَ

يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حُدُودُ عَمَلِكَ، أَخِي الْكَرِيمُ، قَائِمَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَالَاتِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي اخْتِصَاصِكَ الْمِهْنِيِّ، وَالْحَالَاتِ الَّتِي تَسْتَدْعِي الِاسْتِعَانَةَ بِأَهْلِ اخْتِصَاصٍ آخَرَ.

فَقَدْ يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لِحَادِثٍ أَوْ مَرَضٍ بَدَنِيٍّ يُؤَثِّرُ فِي حَالَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وَقَدْ تَتَدَاخَلُ فِي نَشْأَةِ الِاضْطِرَابَاتِ النَّفْسِيَّةِ عَوَامِلُ بيُولُوجِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ وَوِرَاثِيَّةٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الِاضْطِرَابِ وَالْحَالَةِ. وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمَرِيضُ، بِحَسَبِ تَشْخِيصِ حَالَتِهِ، إِلَى عِلَاجٍ نَفْسِيٍّ أَوْ دَوَائِيٍّ أَوْ إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.

وَعَلَيْهِ، فَمِنَ الْمُهِمِّ أَنْ تَتَعَامَلَ مَعَ الْأَعْرَاضِ الْمَعْرُوضَةِ عَلَيْكَ وَفْقَ اخْتِصَاصِكَ الْمِهْنِيِّ، وَأَلَّا تَجْزِمَ بِأَنَّ سَبَبَهَا مَسٌّ شَيْطَانِيٌّ أَوْ سِحْرٌ، وَأَلَّا تَجْعَلَ هَذِهِ الْأَعْرَاضَ وَحْدَهَا دَلِيلًا عَلَى وُجُودِ مَرَضٍ رُوحِيٍّ. وَإِذَا ظَهَرَتْ مُؤَشِّرَاتٌ تَسْتَدْعِي تَقْيِيمًا طِبِّيًّا أَوْ نَفْسِيًّا مُتَخَصِّصًا، فَيَنْبَغِي إِحَالَةُ الْمُرَاجِعِ إِلَى الْمُخْتَصِّ الْمُنَاسِبِ.

وَيُمْكِنُكَ، إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ، مُسَاعَدَةُ النَّاسِ فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِهِمْ، وَتَوْضِيحُ مَنْهَجٍ مُسْتَقِيمٍ لِحَيَاتِهِمْ، وَحَثُّهُمْ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ الْحَنِيفِ، وَتَقْوِيَةِ إِيمَانِهِمْ، وَتَهْذِيبِ أَخْلَاقِهِمْ، وَتَوْجِيهِهِمْ إِلَى مُرْشِدٍ مَوْثُوقٍ يُعِينُهُمْ عَلَى التَّزْكِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ الرُّوحِيَّةِ.

كَمَا يُمْكِنُكَ تَوْجِيه مَنْ يَرْغَبُ فِي الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى رَاقٍ مَوْثُوقٍ مَعْرُوفٍ بِالِاسْتِقَامَةِ وَالِالتِزَامِ بِالضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ، مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى عَدَمِ إِيقَافِ الْعِلَاجِ الطِّبِّيِّ أَوْ النَّفْسِيِّ أَوْ تَأْخِيرِهِ بِسَبَبِ الرُّقْيَةِ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالرُّقْيَةِ الْمَشْرُوعَةِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ الطِّبِّيَّةِ مِنْ أَسْبَابِ الِاسْتِشْفَاءِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَبِذَلِكَ تَجْمَعُ فِي عَمَلِكَ بَيْنَ مُرَاعَاةِ الْجَانِبِ النَّفْسِيِّ، وَالتَّوْجِيهِ الْإِيمَانِيِّ وَالتَّرْبَوِيِّ، وَاحْتِرَامِ حُدُودِ الِاخْتِصَاصِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْسُبَ كُلَّ حَالَةٍ إِلَى سَبَبٍ رُوحِيٍّ أَوْ تَغْفُلَ الْأَسْبَابَ الطِّبِّيَّةَ وَالنَّفْسِيَّةَ الْمُحْتَمَلَةَ.

وَلِمَزِيدِ فَائِدَةٍ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (3347) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ، الْمُتَعَلِّقِ بِأَمْرَاضِ الْقُلُوبِ، وَجَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (1654) الْمُتَعَلِّقِ بِالْمُرْشِدِ، وَكَذَلِكَ جَوَابِ السُّؤَالِ ذِي الرَّقْمِ (2915) الْمُتَعَلِّقِ بِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ مَعَ مَنْ يُظَنُّ أَنَّ بِهَا عَارِضًا مِنَ الْجِنِّ.

وَمُرَاجَعَةَ بَابِ الرُّقْيَةِ فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْكَرِيمِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّفْعِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَفَّقَكُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَفَعَ بِكُمْ، وَجَعَلَكُمْ سَبَبًا فِي شِفَاءِ النُّفُوسِ، وَصَلَاحِ الْقُلُوبِ، وَتَخْفِيفِ آلَامِ النَّاسِ.

وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.