2013/01/12

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

شيخنا العزيز أنا أشاهد الأفلام الإباحية وأنا أعلم أنه محرم علي فعله و لكني سمعت حديثا نبويا كالاتي:

عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ”لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا” قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ: ”أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا”. أخرجه ابن ماجه (2/1418، رقم 4245)، والروياني (1/425، رقم 651). وأخرجه أيضًا: الطبراني في الأوسط (5/46، رقم 4632)، وفي الصغير (1/396، رقم 662)، والديلمي (5/131، رقم 7715).

فهل عباداتي من صلاة وصيام وقيام بعض الليالي و التصدق ستذهب سدى مني لأني أشاهد هذه الأفلام؟

 

بارك الله فيك شيخنا الكريم

الاسم: عمر فكرت بهج

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ إِنَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ.

 

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى السَّيِّئَاتِ تَجْعَلُهَا كِبَارًا – نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى – وَأَنَّ بَعْضَهَا لِشِدَّةِ ضَرَرِهِنَّ يُذْهِبْنَّ الْحَسَنَاتِ.

 

التَّفْصِيلُ:-

إِنَّ مِّنْ أَخَصِّ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِ خَشْيَتَهُ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْغَيْبِ، وَفِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ آيَاتٌ عِدَّةٌ ذَكَرَتْ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الْمُهِمَّةَ، مِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ:-

1- {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} [سُورَةُ سَيِّدِنَا يَس عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ: 12].

 

2- {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ* هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ* مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ} [سُورَةُ قٓ: 31-33].

 

 

3- {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [سُورَةُ الْمُلْكِ: 12].

 

إِنَّ الْأَصْلَ فِي صَلَاحِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَيَخَافَ مَقَامَهُ الْعَظِيمَ فَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، وَهُوَ

مَعَنَا أَيْنَمَا كُنَّا، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ؛ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:-

 

{وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ} [سُورَةُ النَّازِعَاتِ: 40-41].

 

وَلِهَذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ وَالتَّرْهِيبُ الشَّدِيدُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ السَّدِيدِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ

سَيِّدُنَا ثَوْبَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنكُم:-

 (لَأَعلَمَنَّ أقْوامًا مِن أُمَّتي يَأتونَ يَوْمَ القِيامةِ بحَسَناتٍ أمْثالِ جِبالِ تِهامةَ بِيضًا، فيَجعَلُها اللهُ عَزَّ وجَلَّ هَباءً مَنْثورًا. قالَ ثَوْبانُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا ألَّا نكونَ مِنهم ونحن لا نَعلَمُ، قالَ: «أَمَا إنَّهم إخْوانُكم، ومِن جِلْدتِكم، ويَأخُذونَ مِن اللَّيْلِ كما تَأخُذونَ، ولكنَّهم أقْوامٌ إذا خَلَوا بمَحارِمِ اللهِ انْتَهَكوها) الْإِمَامُ ابْنُ مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ.

 

إِنَّ تَصَارُعَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ فِي حَالِ وَمِيزَانِ الْمُسْلِمِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْآخِرَةِ حَقِيقَةٌ.

 

قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-

{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [سُورَةُ سَيِّدِنَا هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: 114].

 

وَهَكَذَا فَالْعَكْسُ صَحِيحٌ، فَإِنَّ لِلسَّيِّئَاتِ وِزْرَاً، وَإِنَّ مِّنْ بَعْضِهَا مَا يُذْهِبُ الْحَسَنَاتِ؛ أَلَمْ يَقُلْ سَيِّدُ السَّادَاتِ عَلَيْهِ وَآلِهِ

وَصَحْبِهِ الصَّلَاةُ وَأَفْضَلُ التَّحِيَّاتِ:-

 

 (إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَعْبُودُ.

 

كَمَا إِنَّ لِلْمَعَاصِي آثَارًا خَطِيرَةً، فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُورِثُ مِثْلَهَا أَوْ أَكْثَرَ، وَتَتْرُكُ آثَارًا فِي الْقَلْبِ أَقَلُّهُ الظُّلْمَةُ وَالضِّيقُ، وَإِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَيْهَا يَجْعَلُهَا تَغْدُو مِّنَ الْكَبَائِرِ عِيَاذًا بِاللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ.

 

رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُم قَوْلُهُ:-

(لَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ) رَوَاهُ الْإِمَامَانِ ابْنُ جَرِيرٍ (8/245)، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ (3/934)، فِي تَفْسِيرَيْهِمَا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا وَعَنْكُم.

 

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا وَجَاهِدْ نَفْسَكَ لِتَرْكِ مُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَفْلَامِ وَتَعَرَّفْ عَلَى ضَرَرِ النَّظَرِ الْحَرَامِ وَأَثَرِهِ فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ، وَبَادِرْ لِلزَّوَاجِ إِنْ كُنْتَ أَعْزَبًا؛ فَالزَّوَاجُ سَبَبٌ مُهِمٌّ فِي غَضِّ الْبَصَرِ وَكَبْحِ شَهَوَاتِ النَّفْسِ.

وَلِمَزِيدِ اطِّلَاعٍ حَوْلَ هَذَا الْمَوْضُوعِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ المُرَقَّمِ (3322) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.

 

وَأَخِيرًا أُبَارِكُ لِجَنَابِكَ حِرْصَكَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ؛ فَاثْبُتْ عَلَى ذَلِكَ وَانْتَقِلْ مِّنْ حَالِ أَدَائِهَا بِالْجَوَارِحِ إِلَى حَالِ تَذَوُّقِهَا بِالْقَلْبِ لِتَهُونَ عِنْدَكَ الْمَعَاصِي فَتُقْلِعَ عَنْهَا، وَتَحْلُوَ لَكَ الطَّاعَاتُ فَتَتَمَسَّكَ بِهَا، فَهَذَا مِّنْ دَوَاعِي الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ.

 

قَالَ اللَّهُ عَزَّ شَأَنُهُ:-

{وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: مِّنَ الْآيَةِ 7].

 

فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ الصَّادِقِ أَنْ تَهُونَ عَلَيْهِ مَعْصِيَتُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا تَقَعُ فِي سُخْطِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذِهِ مِّنْ عَلَامَاتِ مَرَضِ قَلْبِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ.

 

قَالَ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُم:-

(إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ فِي أَصْلِ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ وَقَعَ عَلَى أَنْفِهِ قَالَ بِهِ هَكَذَا، فَطَارَ) الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْوَلِيُّ.

 

إِنَّ صُحْبَةَ الصَّالِحِينَ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ مِّنْ أَهَمِّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُعِينُ الْإِنْسَانَ فِي سَيْرِهِ الصَّحِيحِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، وَإِنَّ أَوَّلَ ذَلِكَ السَّيْرِ هُوَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ.

 

وَلِمَزِيدِ اطِّلَاعٍ حَوْلَ التَّوْبَةِ وَأَهَمِّيَّةِ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ أَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالَينِ المُرَقَّمَينِ (2298، 1838) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمَيْمُونِ.

 

وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

 

وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.