2013/05/18

الرسالة:

السلام عليكم ورحمة الله، سؤالي لكم أرجو من حضرتكم الجواب عليه:-

ما هي الأسباب التي توصل المؤمن إلى لذة الذكر؟

ولكم جزيل الشكر والاحترام.

 

الاسم الكامل: يوسف الزيدان

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

يجب أنْ نعلم أوّلا أنّ تعاليم الإسلام تُطبق على نحو كامل قدر الاستطاعة، قال الله جلّ في علاه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [سورة البقرة: 208].

وقال سبحانه:-

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا —} [سورة التغابن: 16].

ومن ذلك مثلا أنْ يطيب المسلم مطعمه، فعن سيّدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:-

(تُلِيَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا} فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الْحَرَامَ فِي جَوْفِهِ مَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ وَالرِّبَا فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.

وكذا الغيبة والكذب وسائر المنكرات فكلها تُورث الظلمة والقسوة والغفلة عن الله تعالى، وهي حجب تعيق القلب من التأثر بآيات الله سبحانه الكونية والقرآنية، وتمنع من الشعور بلذة وبركة وأنوار الذكر الشريف الموصوف بأدنى مراتبه أنْ يكون للذاكر نوع وعي لِمَا يقول وأنّه إنّما يذكر المعبود جلّ جلاله وعمّ نواله، وإلّا ما كان ذاكرًا، لقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-

(ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ شأنه.

وآلة الشعور بلذة الذكر إنما هي القلب، فلا بُدّ من تشغيل هذه الآلة واستثمار مواهبها وطاقاتها العظيمة وذلك بممارسة الذكر على وفق مقتضى قوله سبحانه:-

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [سورة الأعراف: 205].

فاجعل لنفسك من يومك وقتًا محددًا واجلس فيه خاليًا واذكر ربّك في نفسك مستشعرًا مراقبة الحقّ تعالى لك وقربه منك ونظره الكريم إلى قلبك، واحرص على مجالس الذكر القائمة على هدايات كتاب الله تبارك اسمه وسنّة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه (الختم الشريف) وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (403، 519، 1230) في هذا الموقع الأغرّ.

ومن أعظم وأهمّ الأسباب الموصلة للشعور بلذة الذكر سؤال العلماء الربانيين، أصحاب القدم الراسخة في هذا المجال، قال جلّ ذكره:-

{— الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [سورة الفرقان: 59].

وقال:-

{— مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [سورة الكهف: 17].

فالاتصال بالسادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم من أهم أسباب الترقي الروحي، فبالمواصلة والمرابطة تسمو بمعراجك الروحي في مقامات الذكر الشريف الذي يبدأ بشعورك بلذته، ولا حدّ لبركاته ومواهبه وستفتح عليك بإذن الله تعالى أبوابًا عظيمة من الخير.

ومن ندى ذلك ما روي عن سيّدنا الحارث بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ مُؤْمِنًا حَقًّا. فَقَالَ: انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأَنَّ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا. فَقَالَ: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثَلَاثًا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ جلاله.

وفي رواية أخرى قال:-

(مُؤْمِنٌ نَوَّرَ اللهُ قَلْبَهُ) الإمام البزار رحمه العزيز الغفار عزّ شأنه.

والله جلّت قدرته أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على النبيّ المكرّم، والرسول المفخّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.