2013/11/23

السؤال:

السلام عليكم سيّدي حضرة الشيخ سعد الله أسأل الله أنْ يديمكم بالحفظ والأمان وأنْ يجعلكم لنا مصابيح من نور نهتدي بها من ظلمات الطرق الضالة، ولي مرشدي سؤال وأرجو أنْ تتمننوا عليّ بالإجابة:-

الرجل الذي يعاهد الله سبحانه على شيء ثمّ ينقض عهده لضعف نفسه أو مجاهدته هل عليه كفّارة لكي يتخلص من عقاب الله أم ماذا؟

وجزاكم الله خيرا.

 

الاسم: محمد خليل الراوي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله عزّ وجلّ فيك على دعائك الطيب وأسأل الله سبحانه أنْ يُديم على جميع المسلمين نعمة الإيمان ويحفظهم من كلّ سوء إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

لقد أمر الله جلّ جلاله وعمّ نواله بالوفاء بالوعد والعهد، سواء كان ذلك مع الله عزّ وجلّ أو مع الخلق.

قال سبحانه:-

{— وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [سورة الإسراء: 34].

وقال جلّ في علاه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ —} [سورة المائدة: 1].

إنّ نقض العهد معصية كبيرة تُوجبُ التوبة.

قال عزّ من قائل:-

{وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [سورة النحل: 91].

وقد بيّنت نصوص الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة خطورة نقض العهد والآثار المترتبة عليه، منها:-

 

1- نقض العهد علامة على الفسق، فلقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم مثلا بعوضة فما فوقها ثمّ قال:-

{— وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [سورة البقرة: 26].

مَنْ هم يا رب؟ قال:-

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [سورة البقرة: 27].

 

2- سبيل يؤدي إلى اللعن والطبع على القلب والعياذ بالله سبحانه وتعالى والحكم عليه بالقسوة، قال جلّ وعلا وهو يحدثنا عن نقض بني إسرائيل للعهد والميثاق:-

{فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة المائدة: 13].

 

3- يؤدي إلى نزول العذاب والعقاب من الله عزّ وجلّ، فقد قصّ الله تعالى لنبيّه صلوات الله جلّ وعلا وسلامه عليه وآله وأصحابه أنباء القرى التي أهلكها فقال:-

{تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ} [سورة الأعراف: 101].

ثمّ بيّن سبب إهلاكهم واستئصالهم فقال:-

{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [سورة الأعراف: 102].

 

4- علامة على النفاق ويورث المزيد منه، ودليل كونه علامة على النفاق قول نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وأما دليل كونه يورث المزيد من النفاق فقوله عزّ من قائل:-

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [سورة التوبة: 75 – 78].

 

5- سبب لنزول البلاء والشقاء، قال سيّد الأنبياء عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأوفياء:-

(مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ قَطُّ، إِلَّا كَانَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ، وَلَا ظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، وَلَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ، إِلَّا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْقَطْرَ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ شأنه.

 

6- يُذهبُ الدين والعياذ بالله ربّ العالمين، فعن سيّدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:-

(مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

ولهذا كان سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه حريصا على الوفاء بالعهد حتى مع الكفار فعن سيّدنا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلاَّ أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي – حُسَيْلٌ – قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا، فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (568، 769، 1650) في هذا الموقع المبارك.

فعلى المعاهد أنْ يجاهد نفسه ليكون بارًّا بعهده وفيًّا به، فإذا ضعف إيمانه وقلّت عزيمته يوما فنقض عهده فينبغي عليه أنْ يسارع إلى التوبة والاستغفار والعزم على عدم العودة إلى ذلك مرّة أخرى، وعليه أيضا كفّارة اليمين، جاء في الموسوعة الفقهية:-

(وَالْعَهْدُ: كُلّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَكُلّ مَا بَيْنَ الْعِبَادِ مِنَ الْمَوَاثِيقِ فَهُوَ عَهْدٌ، وَالْعَهْدُ: الْيَمِينُ يَحْلِفُ بِهَا الرَّجُل).

وقال الإمام أبو بكر الجصاص رحمه الله تعالى في قوله سبحانه:-

{وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ}.

(فِيهِ الدَّلالَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِيهِ قُرْبَةٌ لَزِمَهُ الْوَفَاءُ; لأَنَّ الْعَهْدَ هُوَ النَّذْرُ وَالإِيجَابُ) أحكام القرآن (4/350).

وقال الإمام الزهري رحمه الله جلّ وعلا:-

(مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ عَلَى عَهْدٍ فَحَنِثَ فَلْيَتَصَدَّقْ بِمَا فَرَضَ اللَّهُ فِي الْيَمِينِ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ فِرَاسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ) المدونة (1/580).

إذن: على الناقض لعهده كفّارة اليمين، وتكفيه كفارة واحدة لكلّ ما سبق إنْ كان اليمين قد وقع على فعل واحد وإنْ كان اليمين على أفعال متعددة فعليه لكلّ فعل كفارة.

وكفارة اليمين هي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فمَنْ لم يجد صام ثلاثة أيام ؛ لقوله عزّ وجلّ:-

{لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 89].

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (216) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.