2020-06-06

السؤال:

السلام عليكم

أنا آنسة مصابة بالوسواس القهري منذ سنوات طويلة كانت حدّة المرض تشتد وتخف وكنت منتظمة بالعلاج الدوائي والسلوكي في المستشفى الحكومي للدولة. مرضي هذا أو وساوسي متعلقة بكلّ ما يخص العبادات الدينية (أفكار كفرية، نجاسات، صلاة…

كنت ملتزمة بالدين سنين لكن عندما اشتد الوساوس دخل اليأس والتعب من العبادات والصلاة خصوصا فتركتها، الآن عندما أحاول الصلاة – وما أصليه هو صلاة واحدة فقط في اليوم- تطلع عيني. إذا قمت بحساب الحمام مع الوضوء مع هذه الصلاة تقريبا أكثر من ساعة تأخذ مني. في هذه الساعة التي أكتب لكم فيها كنت أحاول أنْ أصلي العشاء لكن كثرة الأفكار والوساوس لم أستطع إكمالها فتركتها. أريد أن أسألك لماذا يفعل الله بي ذلك؟ لماذا لا يساعدني؟ لماذا أصابني بهذا المرض؟ ألم يقل بالحديث القدسي مَنْ يتقرّب منّي شبرًا يتقرب إليه ذراعا. أنا أحاول التقرّب منه لكن هو لا يساعدني أسأله شفاء فمتى الإجابة؟ كم يجب عليّ الانتظار؟ هل إجابة الله سنين تأخذ كلّ هذا الوقت أليس هو على كلّ شيء قدير وإذا قال كن فيكون؟ أنا أريد الشفاء لكي أستطيع ولو بشكل جدا قليل عبادته. في الفترة التي تركت فيها الصلاة كنت أرى في المنام أنّ الله قد يدخلني النار من البعد عنه. الآن أنا حائرة يا سيّدي أليس الله عند رأس المريض إلى متى هذا الحال؟ أليس هو الرحمن الرحيم يحذرني من العذاب وأنا الوساوس تعذبني؟  لكي أصور لك المسألة عند الصلاة النيّة تأخذ منّي وقتا عندما أريد الصلاة تأتي الفكرة الأخرى بأنّي لا أريد الصلاة وقلبي يصدّقها ويريدها لكن أحاول محاربة الفكرة بتكرار أريد الصلاة حتى لا تفسد نيّة ولا تصح صلاتي ثمّ أتهجأ القرآن وكلام العبادة بشكل بطيء حتى لا أخطأ في الكلام فتفسد الصلاة، وعندما أشك بها أعيد الكلام في لحظتها، وأحيانا أعيد الصلاة إذا مثلا أحسست بخطأ سورة مثلا، ثمّ سجدت فتفوت عليّ تصحيح الخطأ. أعلم أنك ستذكر بحديث هلك المتنطعون… لكن هذا لا ينفع معي لأنّي لا أدري عندما أحاول تطنيش وعدم الإعادة بأنّ هناك خطأ في العبادة هل أنا من المتساهلين أم لا؟ أعلم سيصيبك العجب من كلامي! أتذكر واحد من الشيوخ قال أن لا يلتفت للوساوس وستذهب عنه بعد قليل. صدقني لو كان هذا الشيخ حيّ لاتصلت به وقلت له أي قليل هذا هناك أفكار تأخذ منّي أيام لتَخِفَّ حدَّتها من محاولة تطنيشي لتلك الفكرة!! أعيش صراعا مع أهلي بسبب فاتورة المياه العالية، وأمّي تدعو عليّ بسبب مكوثي الطويل في الحمّام واستخدام المياه وهذا ممّا يزيد قلقي وهواجسي (أعلم أيضا حديث الإسراف…) إنْ سألتني وهل العلاج فادك بشيء؟ سأقول لك: عندما جئتهم حالتي كانت أصعب وعندما بدأت العمل مساحة الأفكار قلّت. لكن الآن أنا بلا عمل بسبب الأزمة الاقتصادية منذ عدّة سنوات في الخليج. أوضاعنا في المنزل ضيقة منذ فقدي للعمل فقد كنت المعيل الأساسي لأهلي.

 

الاسم: حائرة

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وبعد:-

فإنّ الدنيا دار ابتلاء واختبار لقول الكريم الغفّار جلّ جلاله:-

{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [سورة الملك: 2].

ولابدّ للمسلم أنْ يصبر على البلاء ويتخذ الأسباب الشرعية للتخلص منه، وهذه الأسباب منها مادية وروحية، ومن الأسباب المادية مراجعة الطبيب المسلم الناصح والالتزام بنصائحه وتوجيهاته، والزمن جزء من العلاج؛ فينبغي حبس النفس لتنفيذ الوصايا وأخذ الدواء، فهذا المرض ليس مستعصياً وقد شُفي منه الكثير من الناس والحمد لله رب العالمين.

أمّا الأسباب الروحية فمن ضمنها سؤال أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم كما فعل جنابك بالاتصال بهذا الموقع المبارك فجزاك الله جلّ وعلا خيراً وأسأله سبحانه أنْ يكون هذا باباً مسرعاً للشفاء.

كذا فالدعاء وسيلة روحية مباركة للنجاة من المحن، قال جلّ في علاه:-

{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ —} [سورة غافر: 60].

ومن آداب الدعاء عدم العجلة في حصول المطلوب، أو تركه يأساً وقنوطاً نعوذ بالله سبحانه، فهو القائل في محكم كتابه العزيز:-

{وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُون} [سورة غافر: 87].

وقال حضرة الرسول الأعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي) متفقٌ عَلَيْهِ.

فثقي بالله العظيم، وثقي بنفسك فأنت مسلمة قوية، فبادري بالعبادات واعزمي على فعلها مرّة واحدة دون تكرار، وأكثري من دعاء حضرة النبيّ المختار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأخيار ما تعاقب الليل والنهار:-

(اللّهُمَّ إنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ووَسْوَسَةِ الصَّدْرِ، وَشَتَاتِ الأَمْرِ) الإمام الترمذي رحمه الله الولي عزّ وجلّ.

وممّا يجلب الاستجابة ويكشف البلاء حُسنُ الظنّ برب الأرض والسماء جلّ جلاله وعمّ نواله القائل في الحديث القُدسي الشريف:-

(يقُولُ اللَّه تَعالى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني فِي مَلَإٍ، ذكَرتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ) متَّفقٌ عليهِ.

وجاء الحديث القدسي الشريف ليذكرنا بمسألة مهمّة جداً تساعد كثيرا على الشفاء بل على الترقّي والسعادة والنّماء وهي مسألة الذكر الخفي في القلب، فباستنهاض طاقة القلب يقوى على الحضور مع الله تعالى الغفور وعندها تختفي الوساوس شيئا فشيئا بإذنه تبارك اسمه.

ولمزيد معرفة بصيغة الذكر الخفي أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2370) في هذا الموقع الأغرّ.

ولذكر الله جلّ وعلا فائدة عظيمة في دفع الوسواس والتخلّص منه؛ قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

(أنفع علاج في دفع الوسوسة الإقبال على ذكر الله تعالى والإكثار منه. وقال السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري: شكوت إلى أبي سليمان الداراني الوسواس، فقال: إذا أردت أنْ ينقطع عنك، فأيّ وقت أحسست به فافرح، فإنّك إذا فرحت به انقطع عنك؛ لأنّه ليس شيء أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، وإن اغتممت به زادك. قلت: وهذا ممّا يؤيّد ما قاله بعض الأئمة: إنّ الوسواس إنّما يبتلى به مَنْ كمل إيمانه، فإنّ اللص لا يقصد بيتا خربا) الأذكار للإمام النووي رحمه الله جلّ جلاله ص129.

واعلمي أنّ الشك في العبادة بعد الفراغ منها لا يؤثر.

(إذا شكّ بعد الفراغ من الصلاة أو غيرها من العبادات في ترك ركن منها، فإنّه لا يلتفت إلى الشك، وإنْ كان الأصل عدم الإتيان به، وعدم براءة الذمّة لكن الظاهر من أفعال المكلفين للعبادات أنْ تقع على وجه الكمال، فيرجع هذا الظاهر على الأصل، ولا فرق في ذلك بين الوضوء وغيره على المنصوص عن أحمد) القواعد للإمام ابن رجب رحمه الله سبحانه ص430.

فلا يجب ولا يشرع أنْ تعيدي طهارتك، أو صلاتك، أو صيامك أو غيرها ممّا تشكين في صحته؛ لأنّ الشكوك صادرة منك بسبب الوسوسة، وهي كذلك بعد الفراغ من تلك العبادات.

فارفقي بنفسك، ولا تحمّليها فوق طاقتها؛ فقد سُئل الامام ابن حجر الهيتمي رحمه الله عزّ جاره عن داء الوسوسة، هل له دواء؟ فأجاب بقوله:-

(له دواء نافع، وهو الإعراض عنها جملة كافية، وإنْ كان في النفس من التردد ما كان؛ فإنّه متى لم يلتفت لذلك لم يثبت بل يذهب بعد زمن قليل كما جرب ذلك الموفقون، وأمّا مَنْ أصغى إليها وعمل بقضيتها فإنّها لا تزال تزداد به حتى تخرجه إلى حيز المجانين، بل وأقبح منهم كما شاهدناه في كثيرين ممّن ابتلوا بها وأصغوا إليها وإلى شيطانها… فتأمّل هذا الدواء النافع الذي علمه مَنْ لا ينطق عن الهوى لأمّته، واعلم أنّ مَنْ حرمه فقد حرم الخير كله؛ لأنّ الوسوسة من الشيطان اتفاقا، واللعين لا غاية لمراده إلا إيقاع المؤمن في وهدة الضلال والحيرة ونكد العيش وظلمة النفس وضجرها إلى أنْ يخرجه من الإسلام وهو لا يشعر (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)… وذكر العزّ بن عبد السلام وغيره نحو ما قدمته فقالوا: دواء الوسوسة أنْ يعتقد أنّ ذلك خاطر شيطاني، وأنّ إبليس هو الذي أورده عليه، وأنّه يقاتله فيكون له ثواب المجاهد لأنّه يحارب عدو الله، فإذا استشعر ذلك فر عنه) الفتاوى الكبرى الفقهية ص216.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (971، 1431، 2031) في هذا الموقع المبارك.

وينبغي التأكيد بأنّ الكثير ممّن أصيب بهذا المرض قد شُفي منه تماما، فالأمر يحتاج إلى إرادة صادقة لطلب الشفاء وهذا موجود عندك والحمد لله تعالى بدلالة تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

ومن دواعي التخلّص من الشكوك والوساوس تغيير المكان والحال الذي كنت فيه حال الوسوسة، فالانشغال بالرياضة مثلا أو أعمال البيت له فوائد جمّة منها:- التخلص من الأفكار والوساوس السيئة، مع انشغال اللسان بذكر الله عزّ وجلّ حتى لوكان قلبك يرفضها، أو وجدتِ صعوبة بنطقها بلسانك، فالذكر له وارد أكيد.

عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ:-

({الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 4]، قَالَ: الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ.

إنّ التزامك بالذكر والدعاء دليل صدقك في طلب الشفاء؛ وحينئذ سيعينك الله جلّ جلاله ويمدّك بالقوّة التي لن تتوقعيها، وستشعرين بطاقة إيجابية سرعان ما تتحوّل إلى قوّة إرادة تمنحك السيطرة التامّة على تصرفاتك ومشاعرك.

كما إنّي أدعوك لتفعيل هدايات الشريعة الغرّاء الداعية للزواج وبناء الأُسر المسلمة، فأنت صاحبة طاقة طيّبة ينبغي أنْ تستثمريها فيما أمر الله عزّ شأنه، فالواجب على كلّ شاب وفتاة البدار بالزواج إذا تيسّر الخاطب الكفء للمرأة، وإذا تيسّرت المخطوبة الطيّبة للشاب، فليبادر؛ عملا بقول الرسول الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) متفق عليه.

وهذا يعمّ الشباب من الرجال والفتيات من النساء، وليس خاصّا بالرجال، بل يعمّ الجميع، فكلّهم بحاجة إلى الزواج، وهذه هي سُنّة الحياة، ففي الزواج فوائد كثيرة وعظيمة تفوق الحصر.

وبإذنه تعالى ستنتهي الأزمة الصحية والاقتصادية وستعود الحياة إلى طبيعتها وعندئذ حاولي العمل من جديد، فالانشغال بالعمل له فوائد جمّة شريطة أنْ تبقى الفتاة المسلمة ملتزمة بالضوابط الشرعية المتعلقة بخروجها من البيت وممارستها للعمل.

وأنصحكِ وأمثالك بوسيلة استفاد منها كثيرون ممّن وقعوا في هذا البلاء وهي استثمار الإمكانات العلمية بالتقنية الحديثة فصوّري نفسك عبر الفيديو ثمّ اطلعي عليه لتتأكدي بأنّ وضوءك كان صحيحا أو لا، ويمكن استخدام هذه الوسيلة في بقيّة الأعمال كالصلاة مثلا.

وأخيراً أسأل الله الذي لا يخيّب سائله أنْ يعافيك ويرفع ما بك من ضُرّ، وأنصحك بالإعراض عن هذا الوسواس، وعدم الالتفات إليه، والضراعة إلى الله جلا وعلا بأنْ يعافيك منه كما أسلفت، فالوسواس داءٌ عُضال، إذا تحكّم من قلب العبد أوقعه في شرٍ عظيم في دينه ودنياه، وجرّه إلى عواقب وخيمة لا قدّر الله عزّ جاره.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.