26-8-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيّدي، أسأل الله تبارك وتعالى أنْ يمدكم
 بالصحة والعافية ويرفع مقامكم ويزيدكم من فضله وكرمه تبارك وتعالى وما ذلك على الله عزّ وجلّ بعزيز.
السؤال يتعلّق بالزواج كونه نواة الأسرة والمجتمع
شاب على خلق ودين وعنده مصدر رزق لكنّه عمل زرع كِلْيَة بسبب فشل كليتاه، وهو يأخذ علاج تقليل المناعة يستمر مدى الحياة لأنّ الجسم ممكن أنْ يرفض هذه الكِلْيَة في أيّ وقت، وأيضًا عليه إجراء فحوصات طبيّة كلّ شهر ويمتنع عن بعض الأطعمة، وهو يرغب بالزواج لكن وجود هذا السبب يمنع الفتيات من القبول خشية توقف كِلْيَته في أيّ وقت وهذا أمر وارد ومن ثَمّ موته.
فكيف توجهون الفتيات والشباب ممّن هم بنفس حالته؟ وهل ينبغي له أنْ يتزوج أم يبقى أعزبا؟ وهل للفتاة أنْ ترفض هذا الشاب مع ما يتمتع به من الوصف المذكور؟
وجزاكم الله تعالى خيرا عن أمّة خاتم النبيين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم.

الاسم: أحمد 

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
ورودك إلى هذه الرياض المباركة مشكور، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يجزيك خيرا على دعواتكم الصادقة، ويمنّ عليّ وعليكم وعلى جميع مرضى المسلمين بالعافية والبركة في العمر إنّه سبحانه سميع مجيب، وبعد:-
لقد ندب الشرع الشريف إلى الزواج، وجاءت مشروعيَّته وفوائده في نصوص الكتاب الكريم والسُنّة المشرفة، من ذلك قول الله عزّ وجلّ:-
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً —} [سورة الرعد: 38].
وفوائد الزواج جمّة تكاد لا تُحصى؛ قال جلّ في علاه:-
{— وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ —} [سورة البقرة: 187].

و (ما) في الآية الكريمة من ألفاظ العموم وهي تُشير بذلك إلى فوائد النكاح التي تعمّ خير الدنيا والآخرة.
وهذه الفوائد والفضائل يطلبها كلّ مسلم سليم الفطرة مهما كان حاله من فقر أو مرض، بل الزواج وسيلة مباركة للخروج من هذه الأحوال، فكم من زوجة كانت سببا لغنى زوجها، ألمْ يُغنِ الله عزّ وجلّ حضرة النبيّ المبجّل صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ على طريقته أقْبَل بمال السيّدة خديجة رضي الله تعالى عنها.
وكم من مريض منحه الله عزّ شأنه الشفاء بعد زواجه، فعلى هذا:-
يجب على الطرفين بيان العيوب الخَلْقِيَّة قبل الزواج، لأنّ هذا من النصح، وأرجى لحصول الوئام بينهما، وأقطع للنزاع، وليدخل كلّ منهما مع الآخر على بصيرة، فلا يجوز الغشّ والكتمان، بل تجب المجاهدة للارتقاء في مراقي الحبّ والإيمان والإحسان، قال جلّ ثناؤه:-
{— وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب —} [سورة الطلاق: 2-3].
وقال جلّ جلاله:-
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} [سورة الطلاق: 4].
وكما أنّ الرجل لا يرضى لنفسه أنْ يتزوّج امرأة مريضة أخفتْ عليه مرضها، فكذلك المرأة، فَلْيَرْضَ كلٌّ ما يرضى لنفسه، قال عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
صحيح من حيث القواعد الفقهية أن يرفض كلٌّ من الخاطبَيْنِ لمرض لا أثر له على الحياة الزوجيّة، ولا إثمَ في ذلك، لكن أين نحن من الآفاق السامية المستفادة من هدايات الشرع الشريف كَقوله الله جلّت صفاته:-
{— وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى —} [سورة المائدة: 2].
وقول الحبيب عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى الولي.
وقال الرحمة المهداة صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه التقاة الهداة:-
(مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ —) الإمام مسلم رحمه الله جلّ ثناؤه.
وأخيرا لا يخفى على جنابكم الكريم أنّ كلّ شيءٍ في هذه الحياة مُقدَّرٌ بقدَر الله جلّ في علاه قبل خلق السموات والأرض، وأنّه لا يقع في مُلك الله سبحانه إلّا ما أراد جلّ جلاله؛ فهو القائل:-
{وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [سورة الأنعام: 59].
وأرجو من المريض -عافاكم الله تعالى جميعا وعافاه- وأهله وأحبابه أنْ لا يتسلّل إليهم اليأس من حصول الشفاء، فكم من مريض قال عنه الأطباء إنّه لا شفاء له، وشفاه الله تعالى، فينبغي أنْ نُحسِنَ الظنّ بالله جلّت قدرته، ونكثر من الدعاء فإنّ الله عزّ وجلّ هو الشافي، وسبحانه مطلق القدرة، عظيم الرحمة، سريع الإغاثة، وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تبارك اسمه:-
فَكَمْ مِنْ صَحِيْحٍ مَاتَ مِنْ غَيْرِ عِلَةٍ *** وَكَمْ مِنْ سَقِيْمٍ عَاشَ حَيْنًا مِنَ الدَّهْرِ
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (957، 1522، 2082) في هذا الموقع الأغرّ.
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.