2020-11-19
السؤال:
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله محمد صلّى الله عليه وآله وصحبه الكرام أجمعين وبعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل أرجو أنْ يكون جواب سؤالي على رقم الهاتف جزاكم الله كلّ خير وبدون ذكر اسمي عند النشر نفعنا الله بعلمكم وثبتكم يا رب.
أنا امرأة متزوجة ولي خمسة أطفال وأحد إخوتي أصابه مرض تسبّب بتوقّف إحدى كليتيه والأخرى وضعها حرج -عافاكم وإيّاه رب العالمين- إذا تبرّعت له بإحدى كليتيّ بعد استشارة الطبيب هل واجب موافقة زوجي على ذلك أم لا؟
أسألكم الدعاء لأخي بالشفاء العاجل.
تقبّل الله منّا ومنكم وجزاكم عنّا كلّ خير إنْ شاء الله تعالى.
من: أفراح
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم كثيرا على تواصلكم العطر مع هذا الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكم لما يحبّ ويرضى إنّه سبحانه سميع مجيب، كما وأشكركم ثانية على الاستهلال المبارك لرسالتكم الطيّبة التي استفتحت بحمد الله جلّ وعلا والصلاة والسلام على رسوله الكريم وآله وصحبه الطيبين الطاهرين صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا؛ فجزاكم الله سبحانه ما هو أهله، وبعد:-
قبل البدء بالجواب عن سؤالكم المبارك ينبغي أنْ أُثني على أخلاقكم الكريمة وسعيكم الصادق لطلب مرضاة الله عزّ وجلّ عن طريق حُسن التبعّل للزوج وطلب رضاه، والحرص على صلة الرحم وعمل المعروف فهذا تطبيق عملي لهدايات الشرع الشريف في هذه الجوانب المباركة؛ وسأتشرف في الجواب بذكر بعض النصوص بهذا الخصوص بإذنه جلّ وعلا.
ينبغي لي أوّلًا أنْ أبيّن شروط هبة الأعضاء عند علماء الإسلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-
1- أنْ لا يضرّ أخذ العضو من المتبرّع ضررًا يخلّ بحياته العادية.
2- أنْ يكون إعطاء العضو من المتبرّع طوعًا دون إكراه.
3- أنْ يكون زرع العضو هو الوسيلة الطبيّة الوحيدة الممكنة لمعالجة المريض المضطر.
4- أنْ يكون نجاح كلّ من عمليتي النزع والزرع محقّقًا في العادة أو غالبًا.
ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (745، 2154) في هذا الموقع المنور.
فمَنْ توفّرت فيه الشروط أعلاه جاز له التبرّع على نحو عام، ولكن هناك حالات خاصة يستوجب توفر شرط الإذن فيها، فينبغي للزوجة أخذ إذن زوجها، وللأولاد أخذ إذن الوالدين لعظيم حقوق الزوج على زوجته، والوالدين على أولادهما.
وعلى وفق ذلك فليس للمرأة المتزوجة أنْ تتبرّع بكِلْيَتِهَا دون استئذان زوجها، لأنّ في هذا التبرّع نقصًا عليها، وليس لها أنْ تُدخل نقصًا على نفسها دون إذنه، والمرأة بكِلْيَة واحدة أنقص من امرأة بكِلْيَتَيْنِ، ولأنّ التبرّع غير واجب، بينما طاعة الزوج واجبة ما لم تصادم الشرع الشريف.
وهنا ينبغي عليك في حالة تعذّر الحصول على متبرّع لضيق ذات اليد، أو عدم التطابق اللازم لنقل الكِلْيَةِ ممّا يتأكّد قيامك بالتبرّع أنْ تطلبي من زوجك بلطف وحكمة أنْ يسمح لك بذلك، وتُذكّريه بعظيم أجر هذا الفعل وآثاره المباركة، وأنّه سيكون مشاركًا لكِ فيه، قال تعالى:-
{— وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا —} [سورة المائدة: 32].
وهو من باب الإحسان والمساعدة لإنقاذ نفسٍ أصابها الضرر والخطر، وربّنا سبحانه يقول:-
{— وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة: 195].
ويقول نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:-
(المسلمُ أَخُو المُسْلِم، لا يَظلِمُه، ولا يُسْلِمُهُ، ومَنْ كَانَ فِي حاجةِ أَخِيهِ كانَ اللَّهُ فِي حَاجتِهِ، ومَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسلمٍ كُرْبةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبةً مِنْ كُرَبِ يوم القيامةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ الْقِيامَةِ) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
والنصوص الشريفة في باب الإحسان وبذل المعونة كثيرة.
فإنْ شرح الله جلّ جلاله صدر زوجك واقتنع بالأمر ورضي به فعلى بركة الله تعالى، وإنْ رفض فلا يحقّ لكِ إلّا طاعته لأنّها واجبة، ولقد جاءت النصوص الشريفة في وجوب حصول إذن الزوج لخروج زوجته من المنزل فكيف بعمل كبير مثل هذا!؟
فعن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا للنبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ -أي أنْ تخرج إلى المسجد أو ما في معناه كشهود العيد وعيادة المريض- فَلاَ يَمْنَعْهَا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ولمزيد عناية بالموضوع أرجو التفضل بقراءة أجوبة الأسئلة المرقمة (652، 2380، 2588) في هذا الموقع الكريم.
وأرجو تذكّر حاجة أولادكِ إليك لاسيما إذا كانوا صغارًا يحتاجون إلى عناية خاصّة.
واعلمي بأنّك نلتِ بإذن الله جلّ وعلا الأجر كاملا لأنّكِ نويتِ التبرّعَ، لقول الحبيب الأعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود جلّ وعلا.
وأخيرًا أسأل الله جلّت قدرته أنْ يمُنَّ على أخيك وسائر مرضى المسلمين والعالمين بالعافية والشفاء بجاه طبيب الأرواح، وبلسم الجراح، وحادينا إلى بلاد الأفراح، سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه الملاح، ما أعقب ليلا صباح.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.