2020-12-21
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله تعالى سيّدي حضرة الشيخ أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يمدكم بالصحة والعافية وأقرّ عيني برؤيتكم المباركة عن قريب بإذن الله تعالى خادمتكم أم يحيى…
سؤالي هو:- هل المؤمن الذي أحبّ لقاء ربّه ويشغل تفكيره هذا الموضوع يوميًّا بعد الموت يكون أقرب لله عزّ وجلّ، أعلم ما جاء في الآية الكريمة …بسم الله الرحمن الرحيم (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) صدق الله العظيم.
ومن فاض شوقه لله تعالى عزّ وجلّ وأحبّ قربه عن الدنيا وما فيها هل سيكون أقرب للمولى بعد الموت ويرتاح فؤاده؟ وجزاكم الله خير الجزاء.

من: أم يحيى

الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم على دعائكم الطيّب وأسأل الله جلّ في علاه لكم بمثله وزيادة إنّه سبحانه وليُّ ذلك والقادر عليه. وبعد:-
يقول مولانا عزّ شأنه:-
{مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة العنكبوت: 5].
وقال عزَّ من قائل:-
{فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [سورة الكهف: 110].
وفي الصحيحين قال سيّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:- (مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)
وقَالَ:-
(إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.
لا شك أنَّ القلوب إذا لم يحركها حادي الشوق إلى محبة الله ولقاءه تقدّست أسماؤه، فإنَّ الران سيكسوها، والعطب سيتمكن منها. فروح المؤمن إذا لم يحركها ذلك فأيّ حادٍ سيوصلها إلى غاياتها بعد ذلك؟
فينبغي عليه أنْ يُعدَّ لتلك اللحظات العظيمات، فإنَّ العبرة بالخواتيم، وما هي إلاّ ميراث السوابق، فمَن كانت سوابقُه إلى خير خُتم له بها، ومَن كانت في الشرّ والإثم كانت الخاتمة بمثلها، فينبغي أنْ ألَّا تشغله الدنيا عن هذا المآل الذي هو صائر إليه لا محالة، فالإنسان بطبعه يُسَوِّف ويُؤجِّل مع أنّه في كلّ يوم هو أقرب لأجله ولقاءِ ربه عزّ وجلّ مِن يوم مضى، قال تعالى:-
{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيه} [سورة الانشقاق: 6].
فحريٌّ بمَن أيْقَن ذلك أنْ يستعدَّ، ويُحاسِب نفسَه قبل أنْ يُحاسَب، ويتأمل فيما قدَّم وأخّر.
ولمعرفة المزيد أرجو مراجعة محاضرات المحبة على هذا الموقع المبارك.
ثمّ أنَّ الترقي والقرب من الله جلّ جلاله وعمّ نواله يتناسب والأعمال الصالحة التي يصاحبها الذكر والحضور والإخلاص، والاقتراب من الله تعالى لا يقاس بزمن يستوجب ذلك، فرب لحظة يختلي فيها المؤمن مع خالقه تعالى أو عمل لا يلقي له بالاً يرفعه الله سبحانه به مقاماً علياً.
وللمزيد أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (555) ثمّ أجوبة الأسئلة المرقمة (74، 512، 2510) في الموقع الميمون.
أمّا استشهادك بقوله جلّ وعلا:-
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد} [سورة ق: 16].
فهو بعيد عن المعنى المقصود من السؤال، فمعنى الآية الكريمة واضح من خلال ما سبقها وما تلاها من آيات مباركة، فقد قال جلّت صفاته:-
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 16-18].
فلو تدبّرنا هذه الآيات الشريفة لرأينا أنَّ الحق جلّ جلاله يخبرنا عن قدرته على الإنسان، فهو الذي خلقه وصوّره، ويحيط بجميع أموره، ظاهرها وباطنها، سرّها وعلانيتها، بل ويعلم ما توسوس به نفوس البشر من خير أو شرّ ممّا يغيب عن العالمين، ويغيب عن الكرام الكاتبين، فهو سبحانه يعلم السرّ وأخفى، قال جلّ ذكره:-
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [سورة النمل: 74].
فالله عزّ وجلّ قريب من عبده، وهو أقرب إليه من عرق الوريد، وملائكته الكرام عليهم السلام تراقب أعماله، وتحصي أقواله وأفعاله.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.