2020-12-29
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي، رضي الله عنكم وأرضاكم وألبسكم ثوب الصحة والعافية، وأنْ يجمعنا الله عزّ وجلّ بكم في الدارين.
سؤال خادمكم سيّدي. علمنا من الشريعة أنّ محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم واجبة على كلّ مسلم. فهل محبّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم للأمّة بأجمعها واجبة أم مكرمة منه صلّى الله عليه وسلّم؟
جزاكم الله سيّدي بما هو أهله.
من: أنور
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
من الجميل أنْ أبدأ جوابي ببيان مفهوم المحبّة:-
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله عزّ وجلّ:-
(لَا تُحَدُّ الْمَحَبَّةُ بِحَدٍّ أَوْضَحَ مِنْهَا. فَالْحُدُودُ لَا تَزِيدُهَا إِلَّا خَفَاءً وَجَفَاءً. فَحَدُّهَا وُجُودُهَا. وَلَا تُوصَفُ الْمَحَبَّةُ بِوَصْفٍ أَظْهَرَ مِنَ الْمَحَبَّةِ) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (3/11).
من المعلوم أنّ محبّة حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، واجبة لأنّها دِيْنٌ، وللطلاع على التفاصيل أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1279، 1508، 1773، 1993) والاستماع إلى محاضرات (المحبّة) إنْ أمكن في هذا الموقع الأغرّ.
أمّا محبّة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام لأمّته فظاهرة في النصوص الشريفة الكثيرة، منها:-
قول الله جلّ في علاه:-
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 107].
وقوله:-
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة التوبة: 128].
وقوله:-
{لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [سورة الشعراء: 3].
(أَيْ قَاتِلٌ نَفْسَكَ وَمُهْلِكُهَا لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ) تفسير الإمام القرطبي رحمه الله عزّ وجلّ (13/89).
هذا حبّه وحرصه لمَنْ لم يؤمن به، فكيف بمَنْ آمن واتّبعه؟
ومن الأحاديث الشريفة:-
1- عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه السلام: 36]، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [سورة المائدة: 118]، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ ذكره.
2- عَنِ السَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ:-
(لَمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِيبَ نَفْسٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ لِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنَبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ مَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ، فَضَحِكَتْ عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حِجْرِهَا مِنَ الضَّحِكِ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَسُرُّكِ دُعَائِي؟ فَقَالَتْ: وَمَا لِي لَا يَسُرُّنِي دُعَاؤُكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدُعَائِي لِأُمَّتِي فِي كل صلاة) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن عزّ شأنه.
وهذه المحبّة تزداد منه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه كلّما ازداد العبد طاعة وخلقا، قال عزّ من قائل:-
{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 31].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاَقًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال أيضًا:-
(إِنَّ أَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلَاةً فِي الدُّنْيَا) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ وعلا.
أمّا هل محبته صلّى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته للأمّة واجبة أم من باب التكريم والتشريف؟
أكيد من باب التشريف لأنّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه بيّن فقال:-
(كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) الإمام البخاري رحمه الله جلّ شأنه.
فالذي يأبى دخول الجنّة ويعصي الله عزّ وجلّ كيف يكون واجبا على النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم محبته؟
والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.
ومن أراد الاستزادة لبيان فضله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام فليراجع الجواب السؤال المرقم 1736 في هذا الموقع الكريم.
أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يجعلنا جميعا من أحباب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم والملتزمين بهديه وشرعه، ولا يحرمنا من رؤيته يقظة ومناما إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.