13/3/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته…..
ورد عن الرسول محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم (من علّم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل) صدق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما قال أو كما قال.
الحمد لله الذي مَنَّ عليّ باتباعي لكم والسلوك على يدكم أسأله سبحانه وتعالى باسمه الأعظم ونبيّه الأكرم أنْ يحفظكم ويوفقكم بتوفيقه وييسّر لكم الأمور في مسيرتكم، وأنْ يرزقكم دوام الصحة والعافية، ويبارك في عمركم ويزيدكم من فضله، ويكرمكم بكرمه ويرعاكم برعايته سيّدي وشيخي وتاج رأسي.
جزاكم الله تعالى عنا خير الجزاء سيّدي. وبارك على القائمين على هذا الموقع المبارك.
السؤال:-
ما هي أنواع الخواطر التي تخطر على نفس الإنسان؟ وما هو الميزان الذي نقيس به لمعرفة الخاطر أهو خير أم شرّ؟
الاسم: عبد الله القاسمي
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ جلاله أنْ يبارك لك ولجميع المسلمين في طاعاتكم وأوقاتكم وأهليكم ويجعلكم منارات للهدى والتقى إنّه سبحانه سميع مجيب.
الخواطر ما يرد على البال أو القلب من رأي أو فهم.
وهي أنواع، منها:-
ما يكون من الله تعالى مباشرة، أو بواسطة المَلك الكريم الموكل بذلك، وقد يكون توجّهًا من حضرة المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم، وأحيانًا من النفس الأمّارة بالسوء، أو من الشيطان الرجيم.
فإذا كان موافقًا للشرع الشريف فهو خير واضح.
وإذا كان ضمن سياق أسلوب حضرة شيخك رضي الله تعالى عنه فهو خير كذلك.
أمّا ما دخل دائرة المحرّمات والمكروهات أو الشبهات فهو محض شرّ عياذا بالله جلّ جلاله.
الخاطر هو ما يرد على البال أو القلب من رأي أو فهم ما، ويكون على أنواع عدّة:-
1- الخاطر الرباني، وهو من الله تبارك اسمه، وهو خاطر الحق، الذي يدمغ الباطل فتزهق أمامه وسوسة الشيطان وظلمة النفس.
وقد يسمى وحيًا بمعناه العام، أي إلقاء العلم بطريقة ما، غير سيّدنا جبريل عليه السلام، وقد يسمّى إلهامًا، مثاله ما حصل لأمّ سيّدنا موسى عليهما السلام.
قال الله تباركت أسماؤه:-
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [سورة القصص: 7].
وخاطر الحقّ يكون موافقًا للشرع الشريف ويشهد العلم الشرعي الظاهر بصدقه، فهو يأمر بالطاعات والقربات وكلّ ما هو نافع وجميل، ولا يأتي الخاطر الرباني بطلب، ولا يزول بسبب بل هو محض فضل من الله الوهاب جلّ جلاله وعم نواله.
عن وهب بن عبد الله السوائي رحمه الله عزّ وجلّ قال:-
(قُلتُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: هلْ عِنْدَكُمْ شيءٌ مِنَ الوَحْيِ إلَّا ما في كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: لا والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، ما أعْلَمُهُ إلَّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في القُرْآنِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وإنّما يتأهل لهذا الخير مَنْ كان ملتزمًا بالشرع الشريف مواظبًا على الطاعات والمندوبات، يتحرّى الحلال في مطعمه ومكسبه، ويتعرّض لمواطن الخير والنور فهو من المتقين الذين قال الله جلت قدرته فيهم:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة الحديد: 28].
وقال تبارك في علاه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [سورة الأنفال: 29].
2- خاطر حقّ يُقذف بواسطة مَلك كريم.
قال حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(إن للشَّيطانِ لمَّةً بابنِ آدمَ، ولِلمَلك لَمَّةٌ، فأمَّا لمَّةُ الشَّيطانِ فإيعادٌ بالشَّرِّ وتَكْذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمَّةُ الملَكِ فإيعادٌ بالخيرِ وتصديقٌ بالحقِّ. فمَن وجدَ ذلِكَ فليعلم أنَّهُ منَ اللَّهِ، فليحمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ. ثُمَّ قَرَأَ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى الولي.
وهذا الخاطر دون الأوّل مرتبة ولكنّه يأمر بالحقّ والخير أيضًا، وقد يكون لمواجهة لمّة الشيطان فهو بمثابة تثبيت من الله تعالى وتقوية للمؤمن ضد ما يوسوس به الشيطان أو تسوّل به النفس الأمّارة من المخالفات.
3- ما كان من قِبَلِ المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم، وهو من ندى توجّهاته الروحية إلى أحبابه، ليزكّيهم ويقذف في قلوبهم همّة التوبة والإنابة والنهوض إلى الطاعات والمبرات.
وينبغي الحذر والانتباه لهذه الخواطر ووضعها على مقياس الشريعة الغرّاء ومنهج المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم؛ إذ قد يخالطها خواطر من النفس أو الشيطان فيعتقد السالك أنّ هذا هاتف من شيخه، وإنّما يتمّ تمحيص هذا بقوّة القلب وصفائه ثمّ بنباهة السالك الذي يفهم عن شيخه ويلتزم منهجه في العمل والسير والسلوك.
ولمزيد إطلاع وفائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1761) وما أحيل فيه من أجوبة في هذا الموقع الكريم.
4- من الشيطان، ويسمّى وسوسة أو نزغًا أو طائفًا.
قال الله عزّ وجلّ:-
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [سورة الأعراف: 201].
وخاطر الشيطان أو لمّته كما جاء في الحديث الذي تشرّفنا به في أعلاه يدعو للمعاصي والفحشاء، وإلى كلّ أمر شرّ وسوء، قال الحقّ عزّ شأنه:-
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 268].
والتخلّص منه يكون بالاستعاذة والانشغال بالطاعات.
قال الله جلّ وعلا:-
{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأعراف: 200].
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2750) وما أحيل فيه من أجوبة في هذا الموقع الميمون.
5- من قبل النفس الأمارة بالسوء، ويسمّى تسويلا أو هاجسًا.
قال الله جلّ جلاله:-
{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 83].
والخواطر من النفس تدعو للشهوات وإلى ما فيه تنمية صفاتها الذميمة مثل الكبر والعجب والغضب، وهي تجرّ الذاكر بالأوهام من ساحة الذكر إلى ميادين الغفلة.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (226، 308، 1412) في هذا الموقع الأغرّ.
وفّقك الله تعالى وجميع السالكين والمسلمين للتزكية نفوسهم وتنمية قلوبهم بالذكر والحضور لتمتلئ بالنور والسرور في ظلال هدايات وتوجهات السادة المشايخ المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.
والله تبارك اسمه أعلم.
اللهمّ صلّ وبارك على سيّدنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا حتى يرضى يا أرحم الراحمين.