25/4/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

جزاكم الله تعالى خيرًا سيّدي على ما تقدموه لأمّة الحبيب صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ولجميع الناس.

قربان ما نصيحتكم لامرأة زوجها يُنكر زيارة الأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم الأحياء منهم والمُنتقلين، والتواصل معهم بأيّ شكل من الأشكال، ويتّهم مَنْ يفعل ذلك بالشرك، ويرمي عليها ألفاظ الطلاق والظهار إنْ فعلت شيئًا من ذلك، ويضغط عليها وعلى أولاده بهذا الاتجاه، ويُلزمهم قراءة الكتيبات التي تحمل الفكر المتشدّد الذي يرمي علماء الأمّة وسوادها الأعظم بالشرك، ومن أجل ذلك يراقبها ويحذّرها حال التواصل مع أهلها بعدم الاستماع لهم فيما يخصّ هذه المعاني لاعتقاده بأنّهم يُشركون نعوذ بالله تعالى في بعض أقوالهم وأفعالهم، وهذا سبب من أسباب تعاسة الحياة الزوجية التي أثّرت سلبًا عليها وعلى الأولاد، ولكم كل الشكر والامتنان وخالص الدعاء بالتوفيق والتمكين والسداد.

 

الاسم: أبو عبد الله

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكرك على تواصلك مع الموقع الكريم، ودعواتك الطيّبة وأسأله سبحانه لك بمثلها وزيادة.

الجواب باختصار:-

الحياة الزوجية مبنيّة على التأبيد لتحقيق الغايات الشرعية النبيلة المرجوة منها، ولا تتحقق الأخيرة في جوّ الشقاق والتكفير والاتهام بالشرك نعوذ بالله تعالى، وعليه: إذا اتخذت الزوجة الأسباب المطلوبة لصلاح هذا الزوج في الصبر عليه مع بذل الجهد لنصحه فلم ينفع ذلك، واستمرّ في عناده واتهاماته وسوء تصرّفه فتركه أولى، وينبغي إنهاء الحياة الزوجية معه.

التفصيل:-

قال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:ـ

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 62 – 64].

وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ

(إِنَّ اللهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

إنّ الحياة الزوجية في شريعتنا الغرّاء مبنيّة على التأبيد؛ فهي ليست مرحلة عابرة تنتهي بعد شهر وشهرين أو سنة وسنتين، كما أنّ لمؤسسة الزواج أهدافها وغاياتها النبيلة العظيمة، ومن ثمراتها الأولاد الذين هم نواة المجتمع وصُنّاع حضارته في المستقبل، وعليه ينبغي أنْ يُبنى عشّ الزوجية على مقوّمات المودّة والرحمة والثقة المتبادلة، وأين ذلك كلّه عند أصحاب الفكر التكفيري المُتشدّد الذين أُشرب في قلوبهم سوء الأدب وطاقة الحقد وسوء الظنّ بكلّ مَنْ يخالفهم ولا يشبههم، ولأهمية هذا الموضوع ينبغي أنْ أعطي نبذة مختصرة عنه لكي نكون على بيّنة من ضرره الفادح فنتقيه.

إنّ فكر نِحلة الشقاق والتكفير التي ابتليت به الأمّة فكرٌ مُستحدَث سقيم؛ فإذا:-

(— كانت كلّ مُحدثة بدعة ـ كما يقولون ـ فليت شعري كيف تكون حال فرقتهم ونِحلتها فإنّها أُحدِثَت عند منتصف القرن الهجري الثاني عشر وما وُجِدَت قط قبله، أفلا ينطبق عليها أنّها محدثة، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة؟) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي للدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله روحه وذكره وثراه، ص 147.

وإنّ مِنْ بدعهم المذمومة المُحدثة مفهوم التوحيد إذ يقسّمونه على أقسام ثلاث، وبذا يتمّ تصنيف النّاس عندهم إلى مُوحّد ومشرك، وما يتبع ذلك من أهوال شنيعة في سوء الظنّ وفظاعة التعامل يصل إلى حدّ إزهاق النفس المعصومة كما حصل في بلدنا وبلدان أخرى، ولقد سجّل التاريخ قديما وحديثا وقائع شنيعة لقتل التكفيريين لآبائهم وأمّهاتهم وعشيرهم وجيرانهم لاعتقادهم الفاسد بأنّهم مشركون نعوذ بالله جلّ جلاله.

إنّ الفهم الخاطئ لهذه الأمور أنتج هذه الفوضى في الأخلاق والتصرّفات هدّدت السِّلْمَ الأهلي والمجتمعي، ومن قبلها السِّلمَ الأسري كما في حالتنا هذه، وهو ناتج عن جهل كبير بالأصول والقواعد العلمية الصحيحة في علوم الشريعة واللغة، ولهذا تاهت أفكار الشباب، وقُطعت صلتهم بعلماء أمّتهم وإرثها الحضاري الرصين؛ فأنكروا المذاهب وطعنوا بالسواد الأعظم للأمّة، وأصبحوا أداة طيّعة في يد الإرهاب، فدمّروا مستقبلهم ومستقبل عوائلهم؛ مُستندين إلى أباطيل قالها كبراؤهم في الجهل والضلال، منهم صاحب كتاب “فتح المجيد” إذ يقول في صراحة ووضوح تامّين:ـ

(إنّ أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلّا ما أقرّ به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كلّ ما سوى الله) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص81.

وفي نصّ كلامه أعلاه دلالات واضحة على اتهام علماء الأمّة بالشرك ومحاولة قطع الصلة بينهم وبين أبنائها، ليكون فكرهم الضال هو السائد بين الناس بما فيه من آثام التكفير وسوء الظنّ ومعاداة الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

وبهذا يتبيّن أنّ تصرّفات هذا الزوج خاطئة جدًّا، ومخالفة للشرع الشريف، ولمزيد اطلاع على مشروعية محبّة واتباع وزيارة الصالحين رضي الله عزّ وجلّ عنهم وعنكم أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1233، 1680، 1705) في هذا الموقع المبارك.

فإذا قامت الزوجة بمحاولة نصحه وتعليمه بنفسها أو بالاستعانة بأهل الفضل والحكمة والعلم فحاولوا معه كذلك فقابل ذلك بالإصرار والتعنّت، واستمرّ بتصرّفاته في الضغط عليهم وأذيتهم فإنهاء الحياة الزوجية أولى من بقائها لأنّها فقدت غاياتها في تحقيق السكينة والمودّة والرحمة وتحوّلت إلى الشقاق وسوء الظنّ ومحاولة تغيير العقائد السليمة للزوجة والأولاد إلى أفكار مشبوهة مليئة بالحقد والظُلمة والإساءة لخير خلق الله تعالى، إذ لا يتورّع هذا الصنف من إساءة الأدب مع معدن النور والصفا سيّدنا محمّد المصطفى عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الصدق والوفا، فمَنْ دونه من الأولياء والعلماء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم.

إنّ مثل هذا القرار تتخذه الزوجة بنفسها، فهي أعلم الناس بحالها وحال زوجها، فإذا وجدت ثمّة مجال لإصلاحه، وأنّه يقبل المحاورة حول الموضوع، أو يتركه على الأقل ليعيشوا حياة مستقرة دون ضغوط وتهديد وخوف فعندئذ تصبر وتستمر ببذل الوسائل اللازمة ترقّبًا في الصلح والإصلاح.

وإذا رفض ذلك، وغلب على ظنّها عدم صلاحه بعد سنوات من الصبر والمحاولة فأنصحها بالافتراق عنه كما أسلفت لتحفظ نفسها وأولادها.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.