27/5/2022
نص السؤال:
السلام عليكم سيدي ورحمة الله
بارك الله تعالى بكم ونفعني والمسلمين بتوجيهاتكم المباركة وموقعكم المبارك سيّدي أنا شاب متزوج من امرأة صالحة وأحبها وتحبني والحمد لله ولي ذرية والحمد لله ولكني أتطلع للزواج بامرأة ثانية حفظا للقلب والنفس وعونا على الدنيا في الطريق… ولكن زوجتي ترفض هذا الأمر مع علمها وثقتها أني لو تزوجت سأحقق العدالة ولن أقصر معها.. بل تعلم كيف أني متمسك بها لكن طبعها الغيرة ونظرة المجتمع كما ذكرتم جنابكم الكريم ردا على أسئلة سابقة.
وقبل الشروع بهذا الأمر أريد نصحكم سيّدي وتوجيهكم حتى لا أقع في محذور بخصوص العدالة كحد أدنى وأعلى وفيم تكون؟
وماذا لو حصل تراض واتفاق لأنّ المتطلبات والحاجات ربما تختلف؟
زواج السر إنْ تعذر الإقناع؟
وجزاكم الله تعالى عني وعن المسلمين خيرا وأسألكم الدعاء بالتوفيق والسداد
الاسم: أبو سارة
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على دعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر.
الحد الأدنى للعدل بين الزوجات هو المساواة في المبيت والإنفاق، والأكمل فيه هو كلّ ما يمكن تحقيقه بحيث لا تشعر إحداهنّ بأنّها الثانية في المرتبة، بل تحسّ بأنّها الأولى جبراً لها وإسعادا لقلبها؛ وتحقيق هذا مُتعذر.
والأَوْلَى في زماننا ترك التعدّد لغير حاجة مُلحة؛ فليس كلّ مُباح مُتاحا؛ فتركُ بعضه فَلاح، فاكبح من نفسك الجماح، فحرصها لشقائك مفتاح.
قبل الإجابة عن السؤال ينبغي أنْ أوضح أدبا دقيقا في الاستشارة والفتوى.
يستحسن للمسلم قبلَ أنْ يستفتي في شأن من شؤونه أنْ يكون مُستعداً لِتَقَبُّل الفتوى سواء كانت مخالفة أو موافقة لهواه، فإنْ لم يكن كذلك فترك الاستفتاء أفضل؛ لأنّ المخالفة علامة على قلّة اليقين، وضعفُ تصديقٍ بالدِّين، وإساءة أدبٍ له عواقب روحية قد تكون وخيمة بحسب مقام مَنْ تمّ توجيه الاستفتاء إليه.
تعدّد الزوجات تشريعٌ رباني كريم فيه غايات وأهداف عديدة، يلجأ إليه المسلم عند الحاجة أو الرغبة والاستعداد لتحقيق تلك الغايات النبيلة، ولم تُوجبه الشريعة الغرّاء على أحد، وإنّما أباحته بشروط خاصة، ولأسباب داعية.
والأصل فيه أنْ لا مانع منه وإنْ كانت الزوجة الموجودة صالحة وطيّبة ليس فيها مرض ولا علّة.
قال عزّ من قائل:ـ
{— فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [سورة النساء: 3].
إلّا أنّ هذه الإباحة يُقابلها واجب خطير وهو العدل بينهنّ لقوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:ـ
(مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
والحدّ الأدنى فيه هو العدل في الأمور المادية قدر الإمكان، وهذا صعب إلّا على الصالحين من عباد الله تعالى وإن ادّعى ذلك كثيرون في البداية، وله تفاصيل كثيرة فقد تكون للأولى أولاد يستوجب على الزوج مراعاتهم وإعطائهم الوقت الكافي للرعاية والمتابعة قد لا يتحقق بتقسيم المبيت بين صاحبة الأطفال والزوجة الثانية الخالية.
أمّا الحد الأكمل فيه: العدل بينهنّ بحيث لا تشعر إحداهنّ بالحزن والقهر بسبب إحساسها بأنّها الثانية في نظر زوجها، وهذا مُتعذر أيضاً، ومن هنا جاء اعتذار النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم لربه جلّ جلاله بقوله:ـ
(اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.
والحقّ أنّ أغلب مَنْ يُفكّر في الزواج الثاني تدفعه نفسه التي لا تقنع بشيء ولا ترضى عن رزقها الذي أكرمها الله تعالى به، فيفكّر الرجل بدافع الهوى على الرغم من وجود الزوجة الصالحة الجميلة الراضية به على كلّ أحواله، وليست له بالزواج الثاني غاية نبيلة وهدف سامٍ يبتغي به وجه الله عزّ وجلّ، فتراه يطلب الصغيرة الجميلة ولا يفكّر مثلا بالأرملة والمطلقة وغيرهنّ ممّن يبتغينَ الزواج تعفّفاً وحاجةً، فقد تضاءلت أمامهنّ فرص الزواج.
كما أنّ الزوج في سعيه للحصول على رغبته ينسى ما ستشعر به الزوجة الأولى من مشاعر مؤلمة وصعوبات جمّة، وفي بيان ذلك أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1892، 2867) وما أحيل فيهما من أجوبة في هذا الموقع الكريم.
علما أنّ مشاعر الألم والمشقة سيشعر بها جميع الأطراف ـ الزوجة الأولى والثانية والزوج نفسه ـ ولا يمكن الإحساس بذلك قبل أنْ يعيش المرء هذه الحالة واقعاً، وعندئذ يرى بأنّه كان مُتوهّما في تقدير الكثير من الأمور من ذاته وغيره.
إنّ هذا الأمر قد تحقق في الواقع فندم كثير من الرجال لمّا أقدموا عليه، كما ندمت كثير من الزوجات اللواتي كنّ يُبادرنَ بتشجيع أزواجهنّ للزواج من ثانية؛ فالأمر يتطلّب صدقًا مع النفس، وإيمانا رفيعا يتطلّع للدار الآخرة، وزهدا في رغبات النفس، وسموًّا في الفكر، وهمّةً لطلب رضوان الله تعالى، وحبًّا صادقا للإخوة والأخوات كحبّ المرء لنفسه حتى يكمل الإيمان وتترقى القلوب في معارج القرب لله الكريم الوهاب.
وهذا ما أدعو لتحقيقه وأرجو تفعيله في أمّتنا فهو الأساس لبناء أسر جديدة صالحة مع بقاء الأسرة الأولى قوية سعيدة، فنزداد بهذا قوّة وصلة ومواهب جديدة بدلا من الشقاق والتشتت، والشقاء الجسدي والفكري والروحي الذي يُنبئ عن ضعف أو تهديم أحد البيتين وربما كليهما نعوذ بالله تعالى من ذلك.
فالنصيحة أنْ ينشغل الرجال بأسرهم، ويفكّروا في كيفية المحافظة عليها وتنميتها، وتربية أولادهم والسعي في تطوير أنفسهم في الجانب العملي والروحي لتحقيق غايات الإسلام العظيمة في عمارة الأرض وخدمة الخلق وتزكية النفس، وترك الانشغال والتفكّر في أمور لا تزيد المرء إلّا انشغالا وتشتتا.
أمّا زواج السرّ فلا أنصح به أبدا لما فيه من تصغير لشعيرة الزواج العظيمة التي ينبغي أنْ تُعظّم بما فيها من توقير واحترام الزوجة وأهلها، وهذا لا يتحقق في زواج السرّ، علما أنّ أغلب الزيجات التي بُنيت على السرّ صاحبتها مشاكل كثيرة سرعان ما انتهت بالطلاق المُتضمن لظلم الزوجة.
وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (84) في هذا الموقع الأغرّ.
وفقكم الله سبحانه لمراضيه وشرح صدركم لما فيه خيركم في الدنيا والآخرة.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على أكمل الرجال سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.