3/8/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

أسأل الله تعالى أنْ يمنّ عليكم بالصحة ودوام العافية وأنْ ينفعنا والمسلمين بكم في الدنيا والآخرة شيخنا المبارك.

هل يجوز امتهان (مهنة) الرقية كعمل دنيوي وأخذ المال عليها؟

جزاكم الله تعالى خيرا.

 

الاسم: ماجد القيسي

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

سُررت بتواصلكم مع هذا الموقع الميمون، وأسأل الله جلّ جلاله لكم التوفيق والسداد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.

الجواب باختصار:-

نعم يجوز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية.

التفصيل:-

العلاج بالرقية الشرعية جائز، وقد بيّنت ذلك في جواب السؤال المرقم (279) فأرجو مراجعته.

أمّا التفرّغ لعمل الرقية وأخذ الأجرة عليها فجائز أيضًا لورود الأدلة الصريحة والصحيحة فيها، منها:-

عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ:-

(انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا (أُجْرَةً)، فَصَالَحُوهُمْ (اتَّفَقُوْا مَعَهُمْ) عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ (عِلَّةٌ)، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وأخرجه الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا في بَاب:-

(جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى الرُّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَذْكَارِ).

وفي رواية أخرى عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ:-

(— فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ عَلَى شَاءٍ، فَبَرَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ وجلّ.

وَقال الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى:-

(وَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَعَلَى تَعْلِيمِ الْعِلْمِ مُشَاهَرَةً وَجُمْلَةً، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَعَلَى الرَّقْيِ، وَعَلَى نَسْخِ الْمَصَاحِفِ، وَنَسْخِ كُتُبِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ نَصٌّ، بَلْ قَدْ جَاءَتْ الْإِبَاحَةُ) المحلى بالآثار (7/18).

قال سيّدي وسندي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشميّ طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-

(فإنّ الجانب التطبيقي لجعل العلم لوجه الله تعالى هو أنْ يجعل العلم مشاعا بين عباد الله قريبا من وجه الله بعيدًا عن الأثرة والاحتكار ومجافاة حقّ الله جلّ جلاله وعمّ نواله.

في التاج الجامع (ج1 ص67) ممّا أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: “مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.

وإذا كان العلم المكتتم عن الناس من علوم الكتاب والسنة والشريعة الغرّاء فالذنب في كتمانه أغلظ. اقرأ قوله تبارك وتعالى:-

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [سورة البقرة: 159 – 160].

واستنباطا من هذه الأصول نذهب إلى استكراه أخذ الأجرة على التعليم في دولة الإسلام. وتأريخ العلم والعلماء في الإسلام خير شاهد على مجانية التعليم عند المسلمين. وكيف لا وقد فهموا تعليم العلم قربة لله المعطي الكريم.

ولا يفهمنّ أحد ممّا تقدّم استكراه الرواتب يأخذها من مدارس الحكومة المعلمون والمدرسون والأساتذة للوفاء بحاجات معاشهم. إنها حقهم من بيت المال من الخزانة العامّة. فإنّ العلم والتعليم يحتاج فيه على الأغلب الأعمّ إلى الانصراف والانقطاع عن عمل سواه، فيصير من شأن المنصرف أنْ تصيبه البطالة الإجبارية عن الكسب، ولما كانت البطالة ممنوعة في الإسلام فإذا أتت إجبارية بحكم واقع الحال فبيت المال هو المسؤول عن رفعه والوفاء بما يحول دونه. ومن ثمّ ينشأ لأهل العلم في الإسلام حقّ كريم يأخذونه رواتب شهرية أو سنوية أو على أيّ وجه يستدعيه تنظيم دفع الاستحقاق. هذا على قدر تعلّق الأمر بالترتيب العام) معالم الطريق في عمل الروح الإسلاميّ ص110 – 112.

ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (472، 1133، 2450) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّد المرسلين، وإمام المتقين، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه الميامين.